نورا علي المرعبي:من تأسيس لبنان الكبير … إلى إعادة إحياء الحلم

من تأسيس لبنان الكبير … إلى إعادة إحياء الحلم
قراءة في تاريخ تمثيل عكار السياسي من التأسيس إلى استعادة الدولة

نفر الصورة لتكبيرها

بقلم: نورا علي المرعبي
لا يمكن قراءة تاريخ عكار من زاوية الحرمان وحدها، لأن هذه المحافظة لم تكن يوماً مجرد منطقة تنتظر الإنماء، بل كانت شريكاً في بناء الدولة اللبنانية منذ ولادتها. فقبل أن تصبح عكار عنواناً للمطالبة بالحقوق، كانت عنواناً للمشاركة في تأسيس الجمهورية وصناعة مؤسساتها.

منذ الإرهاصات الأولى لتأسيس لبنان الكبير في بداية القرن الماضي، كان لعبود عبدالرزاق دور محوري في المطالبة بضم الشمال و عكار للوطن الجديد. ليمثل عكار في المجلس التمثيلي عام 1925، و وضع دستور الجمهورية اللبنانية. ولم يكن ذلك تفصيلاً تاريخياً عابراً، بل دليلاً على أن عكار كانت حاضرة في لحظة تأسيس الدولة، وأن أبناءها كانوا شركاء في رسم معالمها الدستورية والسياسية.

و استمر هذا الحضور الوطني في العقود اللاحقة، فبرزت أسماء تركت بصماتها في الحياة العامة، من بينها محمد عبود عبد الرزاق، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن المشاريع الإنمائية الكبرى في عكار، وفي مقدمتها تطوير مطار القليعات ليكون ركيزة اقتصادية واستراتيجية للشمال اللبناني. وإلى جانبه، حمل بشير العثمان هموم الزراعة والتعليم الرسمي، وطالب بإنشاء المؤسسات الحكومية التي تحتاجها عكار، مؤمناً بأن التنمية لا تتحقق بالشعارات، بل بحضور الدولة في حياة المواطنين. كما شكّل سليمان العلي وطلال المرعبي امتداداً لهذا النهج الوطني، فواصلا الدفاع عن حقوق أبناء عكار، وتعزيز التعليم الرسمي والخدمات العامة، والمطالبة بإنصاف عكار في مشاريع الدولة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن التنمية المتوازنة ليست مطلباً مناطقياً، بل ركيزة من ركائز العدالة الوطنية.

لقد كان ذلك العصر يمثل بحق العصر الذهبي للتمثيل السياسي العكاري. لم يكن النائب أو الوزير يقاس بعدد المؤتمرات الصحافية أو الخطابات، بل بما ينجزه من مشاريع، وما يحققه من حضور فعلي للدولة في المنطقة.

لكن مع التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق الطائف، تبدلت معادلات الحكم. وتراجع حضور عكار في الحكومات، وغاب المكون السني في مراحل عديدة عن التمثيل الوزاري المباشر، رغم ثقل المحافظة السكاني ومساحتها الجغرافية ودورها الاقتصادي والزراعي. مع ذلك، شهدت بعض المراحل محاولات جدية لإعادة وضع عكار على خريطة الدولة، ومن أبرزها ما طُرح خلال حكومة الرئيس سعد الحريري، حيث عمل الوزير معين المرعبي على الدفع باتجاه مشاريع استراتيجية، في مقدمتها إنشاء فرع للجامعة اللبنانية في عكار، وبناء عدد من الثانويات الرسمية، إيماناً بأن التنمية تبدأ بالعلم والاستثمار في الإنسان. غير أن كثيراً من هذه المشاريع تعثر أو لم يكتمل، وسط تجاذبات سياسية وتعطيل حال دون ترجمة تلك المبادرات إلى واقع، وهو ما اعتبره كثيرون خسارة لفرصة إنمائية كانت قادرة على إحداث تحول حقيقي في المحافظة.

وأمام هذا الواقع، برز سؤال يتجاوز السياسة التقليدية: هل يقاس تمثيل المناطق بعدد الوزراء الذين ينتمون إليها، أم بالقرارات التي تعيد إليها حقوقها؟

وفي هذا السياق، لم يعد كثير من أبناء عكار ينظرون إلى التمثيل السياسي بوصفه مجرد مقعد وزاري أو حقيبة حكومية، بل باعتباره قدرةً على إعادة حضور الدولة إلى منطقتهم. فمن السهل إلى الجرد، مروراً بكل بلدة وقرية وعائلة، يرى كثيرون أنهم اليوم ممثلون خير تمثيل برجل دولة يحمل هموم شيوخهم، ويؤمن بطموحات شبابهم، ويتعامل مع عكار باعتبارها جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة لا هامشاً لها. ولعل في ذلك بعداً تاريخياً أيضاً. فأبناء عكار لم ينسوا دور سليم علي سلام في دعم التعليم الحديث عبر جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي وصلت إلى أقاصي قرى عكار قبل المدرسة الرسمية. و هم اليوم يرون هذا الإرث الإنمائي يعود للذاكرة مع إعادة إحياء مشروع مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض، بما يحمله من أمل جديد لعكار والشمال ولبنان.

ومن هذا المنطلق، يرى كثير من أبناء عكار أن المرحلة الحالية تحمل مفارقة لافتة. فعلى الرغم من غياب تمثيل وزاري مباشر للمحافظة، فإن حكومة دولة الرئيس نواف سلام أعادت ملفات إنمائية تاريخية إلى واجهة العمل الحكومي، وفي مقدمتها مشروع مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات، الذي عاد إلى مسار التنفيذ بعد سنوات طويلة من التأجيل، إلى جانب التأكيد المتكرر على أن الإنماء المتوازن ليس شعاراً سياسياً، بل مسؤولية دستورية للدولة تجاه جميع المناطق.

ومن هنا، يمكن القول إن التمثيل لا يقتصر على المقعد الوزاري، بل يمتد إلى القرار السياسي. فالوزير قد يحمل اسم المنطقة من دون أن يغيّر واقعها، بينما قد تسهم سياسات حكومة كاملة في إعادة إدراجها ضمن أولويات الدولة. ولا ينتقص هذا من حق عكار الطبيعي في أن تكون ممثلة في الحكومات المقبلة، فهذا حق وطني ودستوري. لكن التجربة الراهنة تطرح فكرة تستحق التأمل: قد تغيب المنطقة عن التمثيل الشكلي، لكنها قد تحضر في صلب القرار الوطني إذا توفرت الإرادة السياسية.

إن تاريخ عكار لا يبدأ بالحرمان، بل يبدأ بالمشاركة في تأسيس الجمهورية. ولا يُختزل بالمطالبة بالحقوق، بل يُروى من خلال رجال أسهموا في بناء الدولة، وحملوا قضايا منطقتهم إلى مؤسساتها. واليوم، يبقى التحدي الحقيقي ليس في أن تحصل عكار على مقعد وزاري فحسب، بل في أن تستعيد موقعها الطبيعي شريكاً في القرار الوطني، وأن تتحول مشاريعها من وعود مؤجلة إلى سياسات تنموية مستدامة. فالتاريخ يُنصف من صنعوا الدولة، أما المستقبل فسيُنصف من يعيدون الدولة إلى كل أبنائها، ومن يجعلون العدالة في الإنماء معياراً للمواطنة، لا استثناءً تفرضه السياسة.

عن mcg

شاهد أيضاً

مجتبى مرتضى :اضراب ستة ايام عن الطاعام وتناول الدواء احتجاجا على توقيفه من دون محاكمة

نقر الصورة لتكبيرها جاءنا مايلي : اصدرت عائلة الدكتور مجتبى مرتضى مدير كلية الحقوق  والعلوم …