فرص تمويل إعادة الإعمار في لبنان: أي نماذج وبأي شروط؟

أكثر من 20 مليار دولار أضرار تراكمية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى الجولة الأخيرة من الحرب في عام 2026

almontasher-المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

يواجه لبنان اليوم تحديات غير مسبوقة في تمويل إعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية، وذلك بسبب تراكم الأزمات السابقة فيه، بدءًا بالأزمة البنيوية التي نشبت منذ انهيار القطاع المصرفي في عام 2019، إضافة إلى التخلف عن سداد الدين السيادي منذ آذار/مارس 2020 وعدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. ثم تتابعت الأحداث تفاقمًا مع انفجار مرفأ بيروت وصولًا إلى حرب الإسناد التي بدأها حزب الله في تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي تصاعدت إلى حرب شاملة تركت دمارًا هائلًا، إضافة إلى انخراط الحزب في 2 آذار/ مارس 2026 بحرب جديدة.

تقدّر الأضرار التراكمية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى الجولة الأخيرة من الحرب في عام 2026 بأكثر من 20 مليار دولار؛ فوفق تقديرات البنك الدولي، بلغت الأضرار المباشرة لحرب عام 2024 نحو 3.4 مليارات دولار، والخسائر الاقتصادية 5.1 مليارات دولار. ثم رفع التقرير التقديرات إلى 6.9 مليارات دولار أضرارًا و7.2 مليارات خسائر، مع كلفة تعافي وإعمار تقدر بنحو 11 مليار دولار. وفي عام 2026، قدّر وزير المالية ياسين جابر كلفة الأضرار وحدها بنحو 7 مليارات دولار إضافية.

يشكّل القطاع السكني العبء الأكبر، حيث تضررت أكثر من 62 ألف وحدة سكنية في حرب عام 2026 وحدها، منها 21,700 دُمّرت بالكامل، يليها قطاعات التجارة والصناعة والسياحة التي بلغت خسائرها 3.4 مليارات دولار، ثم البيئة وإدارة الردميات بـ 1.1 مليار، والصحة بـ 700 مليون، والزراعة بـ 586 مليونًا، والتعليم بـ 414 مليونًا، إضافة إلى أضرار في البنية التحتية للمياه والطاقة.

تكمن المشكلة الأساسية في فجوة التمويل الهائلة، حيث تتناقض الاحتياجات المقدرة بـ 11 مليار دولار مع التدفقات الفعلية المحدودة جدًا؛ فالتعهدات حتى الآن لا تتجاوز:

  • 250 مليون دولار كقرض من البنك الدولي لمشروع LEAP؛

  • 75 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي؛

  • 20 مليون دولار من العراق؛

  • 5 ملايين يورو كمنح أوروبية جديدة.

من جهتها رصدت الحكومة اللبنانية في موازنة عام 2025 نحو 12 مليون دولار فقط لإزالة الركام، وفي 2026 أدرجت 89 مليون دولار لترميمات محدودة في الضاحية الجنوبية لبيروت.

حين إجراء مقارنة النموذج الحالي بتجربة إعادة الإعمار بعد حرب عام 2006 الصورة أكثر، نجد أن ذلك النموذج جرى في سياق إقليمي مغاير، مع تدفق سريع وكبير للتمويل الخارجي، خصوصًا من دول الخليج العربي عبر مؤتمر ستوكهولم (940 مليون دولار) ومؤتمر باريس 3 (7.6 مليارات دولار) إضافة إلى ودائع خليجية لدى مصرف لبنان. وقد ترافق ذلك مع قطاع مصرفي قادر وسعر صرف ثابت، ما أتاح تحويل التمويل إلى استثمارات فعلية بسرعة. لكن هذا النموذج، عانى ضعف الحوكمة وتعدد قنوات التنفيذ وغياب إطار وطني موحد وأثر تنموي محدود في الأمد البعيد. أما النموذج الحالي، فهو أكثر انضباطًا نظريًا من حيث الشروط والشفافية، لكنه يعاني قصورًا حادًا في التمويل وضعفًا في مؤسسات الدولة، ما يجعل إعادة الإعمار متوقفة عند مرحلة إزالة الركام فقط لأكثر من سنة ونصف السنة.

مصادر التمويل المتاحة بين ثلاثة سيناريوات لإعادة الإعمار، يمكن تلخيصها في التالي:

  • توقف الحرب ضمن تسوية إقليمية شاملة، حيث يصبح التمويل الخارجي الوفير ممكنًا ضمن هندسة سياسية-مالية تشمل إعادة إعمار في أكثر من بلد، مع مساهمات خليجية ودولية، لكن هذا مشروط بالاتفاق على الملفات كلها وبقدرة الدولة على تجاوز انقساماتها الداخلية.

  • سقوط وقف إطلاق النار واستمرار العمل العسكري لفرض تسوية، حيث سيكون التمويل محدودًا ومجزأً ويتركز على الإغاثة وإصلاح الخدمات الأساسية، مع دور أكبر للمجتمع الأهلي والبلديات.

  • استمرار الحرب بوتيرة منخفضة في جنوب لبنان، وهو الأسوأ حيث يتراجع التمويل الخارجي إلى حدوده الدنيا (قد لا يتجاوز مليار دولار بين 2026-2028) وينحصر في الإغاثة والصمود الاجتماعي، مع تحمل المجتمع الأهلي والشبكات الحزبية والمغتربين المسؤولية العملية، ما يحمل مخاطر تفاوت مناطقي وترسيخ الانقسام.

خلاصة: إن تمويل إعادة الإعمار في لبنان لا يمكن أن يُقرأ إلا في سياق سياسي؛ فالشرط الأول لأي تمويل واسع ليس وجود مشاريع جاهزة، بل وجود تسوية شاملة أو تفاهمات إقليمية تشارك فيها دول المنطقة، وتقنع المانحين بأن الأموال لن تصرف في بيئة قابلة للانفجار مجددًا. وإلى حين ذلك، تبقى الفجوة التمويلية هائلة، ومسار إعادة الإعمار مرهونًا بمسار الإصلاح الاقتصادي الشامل، وليس مجرد استجابة لترميم الأضرار

عن mcg

شاهد أيضاً

بري يستقبل الحوت

نقر الصورة لتكبيرها almontasher- استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في …