هذا وحده يكشف حجم الكارثة اللبنانية: بلد انهارت فيه المؤسسات إلى درجة باتت فيها أي محاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من النظام المالي تُعامل كأنها مشروع تجسس دولي أو عملية سطو كبرى على الجمهورية. والأسوأ أن الجهات التي أوصلت لبنان إلى اقتصاد الحقائب النقدية، والتهريب، والكاش غير الشرعي، تحاول اليوم تقديم نفسها كحامية للسيادة المالية، فيما هي عملياً تدافع عن أكبر اقتصاد ظل عرفه لبنان في تاريخه الحديث.
عاد حاكم مصرف لبنان من زيارته الولايات المتحدة بعد سلسلة اجتماعات مع صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأميركية. الجزء الأول من الزيارة كان يدور حول “الاقتصاد الأبيض”: كيف يمكن إخراج لبنان من الانهيار المصرفي، إعادة رسملة البنوك، وضع خطة واقعية لإعادة الودائع، وإعادة تشغيل القطاع المصرفي كي يعود اللبناني إلى وضع أمواله في المصرف بدل تخبئتها داخل المنازل، وتحت الأسرّة، وفي البرادات، وداخل علب السمنة المعدنية كما لو أن البلاد عادت إلى اقتصاد الحروب الأهلية.
أما الجزء الثاني من الاجتماعات، فكان أكثر حساسية وخطورة، لأنه تناول “الاقتصاد الأسود”: شبكات غسل الأموال، تمويل الإرهاب، اقتصاد المخدرات، التهريب النقدي، والاقتصاد الموازي الذي تضخم خلال السنوات الأخيرة حتى أصبح أقوى من مؤسسات الدولة نفسها. وكان الهدف واضحاً: كيف يمكن إعادة لبنان إلى النظام المالي العالمي، ومساعدته على الخروج من اللائحة الرمادية لـ FATF، وإعادة التحويلات والمدخرات إلى الدورة المصرفية الشرعية بدل بقائها رهينة اقتصاد الكاش وأكياس النايلون وصناديق البيك أب العابرة للحدود.
لكن، وبحسب الصحافة التابعة لمحور “الخيال العلمي المالي”، لم تكن الزيارة تتعلق بأي من هذه الملفات.
كلا.
فجأة، تحولت الاجتماعات إلى “مؤامرة أميركية” لاقتراض الأموال عبر رهن سندات الخزانة الأميركية التي يستثمر فيها مصرف لبنان جزءاً من الاحتياطي الإلزامي. وبالطبع، لا أحد يشرح كيف يمكن لدولة متعثرة أعلنت التوقف عن سداد ديونها السيادية أن تحصل على تمويل بهذه الطريقة، بينما صندوق النقد نفسه يرفض حتى مناقشة أي برنامج إنقاذ قبل تنفيذ الإصلاحات.
ولا أحد يشرح أيضاً كيف أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية — وهي من أكثر الأدوات المالية أماناً وسيولة في العالم — جريمة وطنية أو “خيانة مالية”. ربما، وفق هذا المنطق العبقري، كان المطلوب وضع الاحتياطي الإلزامي داخل مشروع لبيع الكعك، أو استثماره في نظام مالي موازٍ قائم على اقتصاد الشعارات والخطب الثورية.
ثم انتقلت الحملة إلى مستوى أكثر غرابة عبر الحديث عن “Swap Line” بين مصرف لبنان ووزارة الخزانة الأميركية. وهنا ندخل فعلياً إلى عالم الفانتازيا النقدية. لأن أي عملية Swap تعني ببساطة استبدال عملة محلية بالدولار لفترة مؤقتة قبل إعادة الدولارات لاحقاً واسترداد العملة الأصلية. لكن هناك مشكلة صغيرة جداً في هذه الرواية: لا أحد على هذا الكوكب مستعد حالياً للتعامل مع الليرة اللبنانية كعملة Swap. لا الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ولا وزارة الخزانة الأميركية، ولا حتى مؤسسة مالية تبحث عن الحد الأدنى من الضمانات النقدية.
لكن لماذا نتوقف عند الوقائع طالما أن الخيال السياسي أكثر ربحية؟
الرواية الثالثة كانت الأكثر درامية: الحاكم ذهب إلى واشنطن لبيع الذهب اللبناني أو رهنه. هنا يتحول النقاش الاقتصادي إلى نسخة لبنانية رخيصة من أفلام “Indiana Jones” و”Money Heist”. لأن القانون اللبناني الصادر عام 1986 يمنع بشكل واضح وصريح بيع الذهب أو رهنه أو تأجيره أو استخدامه كضمانة إلا بقرار صادر عن مجلس النواب. وقد وُضع هذا القانون تحديداً لأن اللبنانيين كانوا يدركون منذ عقود أن السلطة، عندما تجوع، تبدأ بالنظر إلى الذهب كما ينظر الذئب الجائع إلى قطيع ضائع وسط العاصفة.
لكن بالنسبة لآلة الدعاية، تبقى القوانين والحقائق والتشريعات مجرد تفاصيل مزعجة يجب التخلص منها لصالح رواية سياسية تخدم مشروع اقتصاد الظل.
وفي الحقيقة، لم يعد ينقص سوى أن تتهم هذه المنابر حاكم مصرف لبنان بإدارة المفاوضات بين إسرائيل وإيران، أو بالتسبب بالحرب في أوكرانيا، أو بالوقوف خلف أزمة الهجرة في أوروبا، أو حتى بانقطاع الكهرباء والإنترنت في بعض المناطق اللبنانية. فداخل منظومة قائمة على نظرية المؤامرة، يصبح كل شيء ممكناً، إلا الاعتراف بحقيقة واحدة: أن الاقتصاد الموازي الذي تدافع عنه هذه المنظومة هو أحد الأسباب الرئيسية لانهيار لبنان وعزلته المالية الدولية.
أما الواقع الأقل إثارة والأكثر إيلاماً، فهو أن مصرف لبنان يحاول — وسط الانهيار والفوضى والشلل السياسي — القيام بما تبقى من وظيفة الدولة: حماية ما تبقى من النظام المالي، منع انهيار إضافي، وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة المحلية والدولية. لأن أي دولة لا تستطيع العيش خارج النظام المصرفي العالمي، ولا يمكن أن تبني اقتصاداً حقيقياً على الحقائب النقدية، والمعابر غير الشرعية، والاقتصاد الموازي، وشبكات التمويل التي تعمل خارج سلطة القانون.
وفي نهاية المطاف، تبدو المعركة في لبنان اليوم أكبر بكثير من مجرد أزمة مصرفية أو خلاف سياسي. إنها مواجهة مفتوحة بين مشروعين: مشروع يريد إعادة لبنان إلى الدولة والمؤسسات والاقتصاد الشرعي، ومشروع آخر لا يستطيع البقاء إلا داخل الفوضى، لأن قيام دولة فعلية يعني نهاية إمبراطورية الظل التي راكمت النفوذ والثروة والسلاح فوق أنقاض الجمهورية.
ولهذا تحديداً، لا تخاف منظومة الدعاية من انهيار الليرة بقدر ما تخاف من عودة الثقة. ولا تنزعج من سقوط الاقتصاد بقدر ما تنزعج من احتمال قيام مؤسسات حقيقية. فالدولة بالنسبة إليها ليست مشروع إنقاذ، بل تهديد مباشر. أما الحقيقة الأكثر قسوة، فهي أن لبنان لم يعد يقاتل فقط للخروج من أزمة مالية، بل يقاتل لاستعادة فكرة الدولة نفسها من أيدي الذين حوّلوها إلى شركة مفلسة تديرها ماكينة شعارات، وتعيش على حملات التشويه أكثر مما تعيش على الوقائع والإنجازات.