حيان سليم حيدر :ندوة مشروع موازنة عام 2027
أكتوبر 17, 2026
33 زيارة
ندوة مشروع موازنة عام 2027
حيّان سليم حيدر
almontasher – عندما طلب مني الدكتور هاني سليمان الكلام في الموضوع، حاولت الإعتذار بسبب إعتزالي الأمر، فأصرّ مقترحًا دور إدارة الجلسة، فقلت نعم ولكن تعرف طريقتي الخاصة، فتساءل: قلت كما تعرف أسلوبي. لذلك سأدلي بموقفي بعد سماع أراء المحاضريْن العزيزين.
طالما ترعرعت في كنف الأرقام، في المدرسة حتى صفّ الرياضيات، وفي الجامعة في صفوف الهندسة، وفي العمل في الدراسات الهندسية وفي مجالس الإنماء والتنظيم المُدُني وبنوك الإنماء ولجان التدقيق وغيرها، حيث دائمًا ما يكون الرقم ديدن الحقيقة… إلى أن أصبح وجهة نظر.
وقد تبع ذلك بشكل طبيعي إهتمامي بالتخطيط، الرفيق اللصيق للرقم في تسيير شؤون الناس.
وعملًا بهذه المبادئ الأساسية كنت قد وضعت لافتة في صدارة مكتبي الهندسي، في غرفة عمل المهندسين ومعاونيهم، دامت زهاء ربع قرن وهي تقول:
Failing to Plan is Planning to Fail ” “
أي
” أن تفشل في التخطيط فهذا يعني أنّك تُخطِّط للفشل !”
لن أدخل في تفنيد أرقام الموازنة لأنّي لم أقرأها، ولأنّي نزحت إلى تحليل فلسفة الأمر تجنّبًا للغوص في التفاصيل. سأقسم كلامي إلى جزئين وأترك التعليق للجزء الثاني بعد سماع المداخلتين كي لا يكون كلامي إستباقًا لما سنسمعه في الموضوع.
برأيي، جميع الخطط والإجراءات باتت وسائل وأدوات حرب. وقد تكون الموازنة أفعلها… ولكن بصمت ! هي تطال كلّ المجالات، وتشمل جميع الناس، وتؤثّر على مناحي الحياة والعيش والبقاء كافّة. لا بل فالموازنة هي أمّ الأسلحة.
لا أخالني أكشف سرًّا إن ذكّرتكم أنّ موازنات “اللادولة”، يصادَق عليها سنويًّا من دون تقديم وإقرار قطوع الحساب وذلك منذ العام 2005، على ما أذكر. والأمر يأخذني إلى عقود مضت، حين قرأت، بين العامين 2011 و2012 في صدارة جريدة السفير “إكتشاف” المالية، وما أبلغ صيغة تجهيل الفاعل هذه، إكتشافها لثغرة تمثّلت في أنّه كان يمكن لأيّ شخص الدخول إلى وثائق جميع الموازنات والميزانيات وقطوع الحساب السابقة، وصفًا وأرقامًا، منذ العام 1993، وتعديل، أي اللعب، بالكلمات والأرقام والوقائع إلخ… وتسألون بعد ذلك عن المُساءلة. وعلى سبيل التذكير: كان هناك مفهوم في الدستور تسقط الحكومة من طريق تطبيقه ويعتبر مجلس النواب منحلًّا في حال الإخلال في تقديم الموازنات وقطوع الحساب وإقرارها وإصدارها في اوقاتها الدستورية.
( تقديم الدكتور أمين صالح، مدير المحاسبة العامة في وزارة المالية ونقيب مدقّقي المحاسبة سابقًا )
فلنستمع إلى الأمين على الرقم الصالح… الدكتور أمين صالح.
( فاصل بين المحاضرة والتعليق عليها )
والآن، بعدما بان لنا الغثّ من السمين، ننتقل إلى مقاربة الفارق بين الغشّ والثمين، وأرجو ألّا أكون قد أخطأت فيما بين السين والشين والثاء !
( للتعليق على المحاضرة يحدّثنا الخبير الإقتصادي الأستاذ عماد جبري )
( ونعود إلى الجزء الثاني من تقديمي )
الحضور الكريم،
يا له من إختصاص: تحويل المعلومات إلى فهم نقدي رصين، وهذا، في خضمّ المهاترات “المالية” السائدة. وقد سمعنا عن الفرق بين موازنة تسيير الدولة وموازنة برامج وأداء. ومعها، سبرنا أعماق الأرقام الضائعة حيث 77 بالماية من الضرائب بقيت خارج الموازنة التي لا تفصل بين السلبي منها والإيجابي.
والحلّ للجريمة المالية التي ذكرت في بداية التقديم يبقى في ” نبش القبور”، وأكرّر نبش القبور، بما يعنيه الأمر من تدقيق وتحقّق ومساءلة ومحاسبة ومن ثمّ، وهو الأهمّ، معاقبة المرتكِب… ولو بعد حين !
جوابنا على القائلين بفصل الإقتصاد عن السياسية، أو المال أو الفنّ أو… نقول المال سياسة، والإقتصاد سياسة… وينضم إليها، وبلغة تدوير الزوايا، المال السياسي، وهو الإسم الحركي للرشوة. ومبدأ المحاسبة، أي المكافأة والعقاب، هو قطعًا مفقود في مناقشاتنا للموازنات.
إنّ منح الثقة لهذه الحكومة، كلّه سياسة، أي أنّ الشعب، مهما عَنَتْها هذه الكلمة، الذي يرزح تحت كلّ ما نعاني منه، هو الذي منح وسيمنح الثقة لحكومة لم تقم بايّ من واجباتها، وهل علينا أن نذكّر بالكهرباء في كلّ مناسبة؟.
لا قيمة فعلية للموازنات المقدمة في بداية العام، وهي تقديرية، إن لم يتم تبرئتها من طريق تقديم قطع حساب في نهاية العام ذاته، سنة بسنة ومن ثمّ تكون المحاسبة.
وهل بلغك خبر الفذلكات؟ أو مغامرات ما بات يُعرف بـِ “فرسان” الموازنة؟ والفذلكات، مِن فَذَلِكَ، ما هي إلّا تفسير لمضامين الموازنة. والأمر يأخذني إلى مقولة مكرّرة لراحلنا الكبير الرئيس سليم الحصّ بقوله: ” في التفسير تبرير”!
وفي الختام، من فلسفة الموضوع، وقد تجنّبت وضع رأيي هذا في بداية هذا اللقاء، أنا لست مع مناقشة الموازنة في هذا الغياب المتعمّد المتمادي الفاسد لقطوع الحساب، إذ أنّني أرى أنّنا قد نساهم هنا، من حيث لا نريد، في إسناد حجج للمرتكِبين، المُمَدّدين لولاياتهم غير دستوريًّا، ومن بينهم، للمتعدّين على الكار، بإكمال “مشوارهم” في مسيرة “المال السياسي”.
دار الندوة، الخميس، في 24 أيلول 2026م. حيّان سليم حيدر