محفوظ :ترامب وتفكيك الألغام على المسارين الإيراني واللبناني
مايو 17, 2026
17 زيارة
عبد الهادي محفوظ- رئيس المجلس الوطني للاعلام
almontasher ورقة الجنوب اللبناني هي موقع تجاذب بين أربعة أطراف هي «اسرائيل» وايران والولايات المتحدة الأميركية والسلطة اللبنانية. ايران كانت تعتبر أن المسار اللبناني هو جزء من المسار الأميركي- الايراني، قبل أن تتبنى الولايات المتحدة الأميركية رعاية مسار منفصل للمسار اللبناني- «الاسرائيلي»، الذي وجدت فيه «الحكومة الاسرائيلية» مدخلا لفرض إملاءاتها المسبقة، وهي عدم الإلتزام بوقف تام للنار عندما تقدّر أن هناك تهديدا لها، وحتى تستكمل المنطقة العازلة التي حددتها بالخط الأصفر، وأضافت إليها لاحقا الخط الأزرق، كما تجريف عدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية، وتهجير سكانها المدنيين إلى ما بعد نهر الليطاني
لا شك أنه في المفاوضات اللبنانية-»الاسرائيلية» التزم السفير اللبناني سيمون كرم، رئيس الوفد اللبناني للمفاوضات في واشنطن، بتوجيهات الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، وكان على تواصل دائم معه، وعلى إصرار برفض تقديم تنازلات رسمية لبنانية، لا في وقف النار فحسب، ولا في التعاون الأمني اللبناني- «الاسرائيلي» الذي تريده «اسرائيل»، ولا في سياسات التهديم الاسرائيلية، ولا في «الشرعنة الواقعية» للوجود العسكري الاسرائيلي في الخط الأصفر والأزرق وما بعدهما.
وهذه الحقيقة هي التي أملت على الشريك الأميركي، الذي يراهن عليه الرئيس عون أن يتدخل، فلا تخرج المفاوضات الصعبة حاليا إلى حدود اتفاق أمني أو سياسي، وإنما الإكتفاء بتمديد الهدنة إلى ٤٥ يوما، وإلى معاودة المفاوضات الشهر المقبل.
فواشنطن من مصلحتها الآن أن تهدّئ الوضع اللبناني، وتلجم إلى حدود معينة رغبة رئيس الحكومة الاسرائيلية بالإبقاء على ساحة الحرب مفتوحة في لبنان، كمدخل محتمل لمعاودة الحرب على ايران أو للإستفراد بلبنان. وهذه الرغبة الاسرائيلية لا تلقى في الظرف الراهن تعاطف الرئيس الأميركي، الذي يغلّب الخيار الديبلوماسي في المسار الايراني- الأميركي، خصوصا بعد «بناء شراكة استقرار استراتيجية» لحل المشاكل الدولية، بما فيها الموضوع الايراني مع الرئيس الصيني، وتحديدا في مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم.
فالتداخل بين المسارين الأميركي-الايراني والمسار اللبناني- «الاسرائيلي»- الأميركي حاصل ومتشابك. فواشنطن تعتبر في المسار اللبناني- «الاسرائيلي» أداة ضغط تفاوضي تمارسها على ايران، التي تبحث عن وقف شامل للنار على كل المسارات.
إنما بعد أن حسم ترامب الإلتزام أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ بالخيار الديبلوماسي مع ايران، وشدد على نقطتين أساسيتين للتلاقي مع بكين، حول ضرورة معالجة هادئة لفتح المضيق ورفع الحصار البحري، باعتبار أن الصين المتضرر الأساسي، كونها تستورد ٤٠ بالمئة من حاجتها النفطية من ايران. وبالتالي هي شريك في المعالجة التي لا تعترض عليها طهران.
وأما النقطة الثانية للتلاقي الأميركي-الصيني في «شراكة الإستقرار»، هي أن الصين ضد امتلاك ايران لقنبلة نووية، وموقفها هذا يشبه موقف موسكو أيضا. واستطرادا فإن طهران ليست مع امتلاك القنبلة بحكم التحريم الديني للإمام السيد علي خامنئي. وهذا يعني أننا في سياق مرحلة لتفكيك التصلّب الأميركي والايراني على السواء. وهو تفكيك بدأه ترامب بالكلام عن موافقته على «تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاما»، وعن أن «جمع الغبار النووي الذي انتشر في مواقع المفاعلات النووية بحكم القصف الأميركي لها، يمكن أن تقوم به دولتان قادرتان هما الولايات المتحدة الأميركية أو الصين». وهذا التفكيك للتصلّب لاقاه فيه وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، عندما أشار إلى معلومات إيجابية في الرسائل التي يتم تبادلها. وعندما غلّب الخيار الديبلوماسي، وإن كان قد تكلّم عن خيارات أخرى رديفة ومنها الحرب.
في المسار الأميركي- الايراني صاحب القرار الأول فيه هو ترامب، لا شريكه في الحرب على ايران نتنياهو. فسيد البيت الأبيض خرج من قمة بكين بالتجاوب مع الرئيس الصيني، إلى اعتبار الحوار الأميركي-الايراني هو السبيل إلى المعالجة، بعد أن أدرك بأن معاودة الحرب لا تلقى تجاوبا أميركيا داخليا ولا أوروبيا غربيا،بل اعتراضات روسية وصينية وضررا بالإقتصاد العالمي والأسواق المالية والممرات البحرية، وتذمّرا من دول الجنوب إزاء السياسات الأميركية، كما رفضا من دول المحور الإسلامي الآخذ بالإتساع والمشكّل من باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، وهي عموما دول قريبة من السياسات الأميركية.
وبقدر ما تقترب واشنطن وطهران من معاودة المفاوضات المباشرة تحضيرا لاتفاق إطار، بقدر ما تنحسر وتتراجع الحسابات الاسرائيلية في لبنان، سواء في التوسع الجغرافي أو في استدراج لبنان إلى اتفاقات أمنية وسياسية خارج المظلة العربية. ذلك أنه في الوقت الضائع حاليا يملك نتنياهو إمكانية للمناورة في الجنوب اللبناني وغزة. فهو يعرف أن خروج واشنطن من معادلة الحرب، هو المدخل لعبور أميركي في لبنان وجنوبه وبحره، وبشراكة من المملكة العربية السعودية. وهذا أمر لا يعترض عليه لبنان الرسمي، ويدخل في رهان الرئيس جوزاف عون، طالما يحمل معالجة هادئة لسلاح حزب الله، لا تكون طهران بعيدة عنه. وهذه المعالجة الأميركية ترتكز إلى إيجاد منافذ لإعمار الجنوب، وتفعيل مؤسسات الدولة، والأدوار السياسية للمكوّنات اللبنانية وحزب الله وبغطاء المظلة العربية.