الأوركسترا الوطنية للشباب تعانق قمم العالمية طلاب الكونسرفتوار يكتبون بآلاتهم تاريخاً جديداً في روسيا

نقر الصورة لتكبيرها

ماجدة داغر . موسكو

almontasher – سجلت الأوركسترا الوطنية للشباب – لبنان) Lebanon -(NYO في خطوتها الثانية نحو الضوء العالمي، حضوراً فاعلاً في الدورة الرابعة لـ “مهرجان أوركسترا الشباب العالمي” في روسيا، متجاوزةً حدود التمثيل البروتوكولي إلى حوار فني رفيع مع مدارس العزف الكبرى. فحين يلتقي العزف الأكاديمي الرصين بوعي الجيل الجديد، تخرج الموسيقى من أطُرها العابرة لتصبح وثيقة انتماء، مؤكدةً قدرة المؤسسة الأم، الكونسرفتوار الوطني اللبناني، على نحت طاقات إبداعية قادرة على الوقوف بِندّية على منصات دولية وازنة، حاملةً ملامح هويتها إلى رحاب الموسقى الأوسع وإلى مسارح تتسع لكل تجارب الأمم.

ففي مشاركتها للسنة الثانية ضمن المهرجان المرموقFestival World Youth Orchestra في موسكو وسوتشي، كتبت الأوركسترا الوطنية للشباب – لبنان -(NYOLebanon) ، التابعة للكونسرفتوار الوطني اللبناني، حضوراً ساطعاً ومدوياً في فعاليات الدورة الرابعة تحت إدارة وقيادة المايسترو العالمي البارز يوري باشميت، وأثبت شباب لبنان أنّ لغة الإبداع هي الجسر الأبقى نحو العالم. وتحوّلت هذه المحطة الدوليّة المفصلية علامة فارقة في مسيرة واعدة لجيل موسيقي يرفض الانكسار، ويحمل رسالة وطنه الثقافية إلى رحاب الكونية، مثبتاً أن النبض اللبناني ممتلئ بالحياة والجمال مهما اشتدت الصعاب.

وذلك بعدما خطا المعهد العالي للموسيقى خطوة فارقة ومضيئة بتأسيس أوركسترا الشباب العام الماضي والأنسمبلات الموسيقية ودمجها في صلب المناهج الأكاديمية. نقلت هذه المبادرة المؤسسة وعازفيها الشباب إلى رحاب عالمية ، بعدما تلقى الطلاب تدريبات مكثفة وورش عمل تخصصية (ماستر كلاسز) على أيدي قامات موسيقية دولية

تقصد لبنان خصيصاً لهذا الغرض، إلى جانب الإشراف الفني المباشر للمايسترو كريم سعيد. تُرجم هذا الحراك الفني الثري إلى جولات دولية استثنائية، فبعد المحطات الناجحة العام الماضي في روسيا وإيطاليا، تجدد الموعد هذا العام بانطلاق العازفين نحو موسكو وسوتشي وقسم منهم قبل ذلك إلى إيطاليا، فضلاً عن محطات أخرى تحط رحالها في إيطاليا مجدداً هذا العام. إنجاز وطني يضع النغم اللبناني على خارطة الإبداع العالمي بثقة واقتدار.

عكست المشاركة اللبنانية وجهاً مشرقاً للبنان الحالم بالفن والجمال، وضمّت نخبة من طلاب أوركسترا الشباب وهم: غاييل عماد، جوي سعد، مارينا سراج باشي، جورجيو بو شعيا، أندريا ديميرجيان، وكريس فرح، إلى جانب وفد رسمي من الكونسرفتوار الوطني اللبناني. فقد أمضى الوفد عشرة أيام كاملة في روسيا، تقلب خلالها بين روعة العاصمة موسكو وسحر مدينة سوتشي. فكانت ورشة عمل مكثفة وصارمة تخللتها تدريبات وتحضيرات يومية شاقة ومضنية بإشراف المايسترو العالمي يوري باشميت، ومشاركة المايسترو القدير أناطولي سيميينوف، اللذين قادا الحفلتين بروعة واقتدار.

أسَر الطلاب اللبنانيون القلوب والأسماع، ليس فقط بدقة أدائهم وتمكنهم العالي من آلاتهم، بل بذلك الانضباط الصارم والروح الجماعية العالية التي أظهروها على الخشبة، مما جعلهم محط إعجاب وتقدير من الفرق العالمية المشاركة ومن الحضور الواسع الذي تجمهر بالمئات.

بين عاصمة القرار الروسية موسكو ومسارح الضوء على شواطئ البحر الأسود، تألّق العازفون الشباب اللبنانيون في حفلتين كبريين لا تُنسيان، إلى جانب بلدان عديدة من العالم هي: أذربيجان، الجزائر، أرمينيا، بيلاروسيا، بلجيكا، برازيل، فيتنام، جورجيا، مصر، إيران، إسبانيا، كازاخستان، قيرغيزستان، الصين، كوريا، لبنان، مقدونيا، ماليزيا، مولدوفا، روسيا، صربيا، تركيا، كرواتيا، تشيلي، جنوب أفريقيا.

أقيمت حفلة موسكو في قلب العاصمة الروسية على مسرح زاريادي (أمبريفتار بارك زاريادي)، حيث تفاعل الجمهور الحاضر بحرارة مع الأداء البارع والمعزوفات التي امتزجت فيها روح الموسيقى بصرامة الأكاديميات الكلاسيكية العالمية.

وأقيمت الحفلة الثانية في مدينة سوتشي الساحرة على خشبة مسرح “Sirius Concert Center” المرموق والذي يقع ضمن مجمع حديقة العلوم والفنون في سيريس في الإقليم الفيدرالي سيريس في سوتشي، حيث أبدع الشباب اللبناني في عزف مقطوعات تتطلب مهارة فائقة، متناغمين تماماً مع عصا القيادة المبهرة وبقية العازفين الدوليين، ليؤكدوا أن الموسيقى اللبنانية قادرة على الوقوف بنديّة وإبهار على أضخم المسارح الدولية إلى جانب بلدان عديدة من العالم.

فتجسدت مهارة الوفد الشبابي اللبناني وانضباطه العالي خلال هاتين المرحلتين من عبر أداء برنامج موسيقي عالمي شديد الثراء والتنوع، تطلب دقة متناهية وبراعة تقنية في العزف المشترك والأداء المنفرد. فقد شمل البرنامج الموسيقي الذي عزفه طلاب أوركسترا الشباب اللبنانية إلى جانب زملائهم في الأوركسترا مقطوعات خالدة عكست تباين المدارس الكلاسيكية والرومانسية والحديثة، أبرزها:

السمفونية الأربعون لموتسارت (Symphony No. 40, Mozart): التي تجلت فيها رهافة الخطوط الكلاسيكية وشفافيتها، وتطلب أداؤها توازناً دقيقاً بين الأقسام الوترية وقوة التعبير الهادئ.

كونسرتينو لآلة الباسون ل ف. دافيد (Concertino, F. David, Op. 4): عمل رومانسي مبكر حيث أبرز العزف المنفرد طاقات تعبيرية عميقة وتقنيات أداء متقدمة تظهر قدرات آلة الباسون ومساحتها الصوتية الفسيحة ومرونتها التحررية.

كونسيرتو الباسون والأوركسترا لـفيبر (Concerto for Bassoon and Orchestra, Op. 75, Weber): الذي تطلب براعة استثنائية وسرعة مذهلة في التنقل بين المقامات والتيمات اللحنية المليئة بالحيوية والعمق الرومانسي.

دليل الأوركسترا لـبودروف (Orchestra Guide, Bodrov): عمل معاصر استنفر قدرات الأوركسترا في التلوين الصوتي البارع واستكشاف أبعاد جديدة في التوزيع الأوركسترالي الحديث.

بوليرو موريس رافيل (Bolero, M. Ravel): العمل الذي يُعد اختباراً حقيقياً ومضنياً للانضباط الإيقاعي والثبات الصوتي، حيث تدرج العزف اللبناني ببراعة مع التصاعد الهائل والمتواصل في الكثافة الأوركسترالية والنبض الإيقاعي الثابت حتى بلوغ الذروة الكبرى المهيبة.

ولم تكن هذه الرحلة الكبيرة لتكتمل من دون الدعم المعنوي والوطني، فقد حرص وفد من السفارة اللبنانية في موسكو على حضور الحفل ومشاركة الطلاب فرحة النجاح والتألق. وترأس الوفد سفير لبنان في كازاخستان جورج أبي زيد، والذي يحل في موسكو مؤقتاً مكان سفير لبنان نظراً لغيابه عن البلاد.

وقد وجه السفير تهنئة حارة ودافئة للوفد اللبناني، معبرًا عن فخر لبنان العارم واعتزازه العميق بأن يحل شبابه وموسيقيوه في محافل دولية بهذا الحجم، ليكونوا سفراء حقيقيين للثقافة والحضارة والسلام، ويثبتوا أن اسم لبنان يظل مقروناً بالإبداع والتميز.

تجربة استثنائية بكل ما للكلمة من معنى خاضها طلاب الكونسرفتوار، فالعزف تحت عصا قائد عالمي بحجم يوري باشميت يُعد تجربة كبيرة وملهمة وفرصة لا تُمحى من ذاكرة هؤلاء الشباب، إذ تمنحهم نضجًا فنيًا وثقة مطلقة بالنفس، وتصقل مهاراتهم المهنية لتفتح أمامهم أبواب المستقبل على مصراعيها نحو آفاق عالمية أرحب. إنها تجربة تغني مسيرتهم الفردية والجماعية، وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة والفن هو الاستثمار الأثبت والأبقى لنهضة الأوطان وبناء الإنسان

عن mcg

شاهد أيضاً

حرشنا لح يرجع؟ّ!

أalmontasherلقت جمعية “سيدرز للعناية” – CFC حملة تطوعية ووقائية بعنوان “حرشنا لح يرجع”، بهدف تنظيف …