المرتضى:الصراع السعودي – اليمني: هل تُطفئ إيران وتركيا وباكستان النار أم تترك إسرائيل تحصد المكاسب؟

الصراع السعودي – اليمني: هل تُطفئ إيران وتركيا وباكستان النار أم تترك إسرائيل تحصد المكاسب؟

 

القاضي محمد وسام المرتضى – وزير الثقافة السابق

almontasher-   حذّر مكيافيللي من أنّ الانقسامات الداخلية تفتح أبواب النفوذ أمام القوى الخارجية. ورأى صن تزو، أنّ بلوغ الغاية من دون قتال هو ذروة فنّ الحرب. وبين الفكرتين، تكمن واحدة من أخطر حقائق السياسة: ليس ضرورياً أن يهزم العدوُّ خصومه جميعاً؛ فقد يكفيه أن يدفعهم إلى استنزاف بعضهم بعضاً.

وهذا هو الدرس الأوسع الذي تطرحه دراسات حديثة عن تفكّك الدول العربية والنظام الإقليمي، ومنها دراسة جيل دينو وروبرت سبرينغبورغ المنشورة عام 2025 في مجلة Middle East Policy، التي تتناول استراتيجية إسرائيل في تأجيج عدم الاستقرار العربي وبين دول المنطقة، لتعزيز هيمنتها والمضي قدماً في مشروعها الإقليمي.

وليس هذا المنظور منفصلاً عن التصوّر الذي عرضه بنيامين نتنياهو في كتابه «مكان بين الأمم»، الصادر عام 1993، في قراءته لموقع إسرائيل وسط العالم العربي. فالرجوع إلى هذا الكتاب يذكّرنا بأهمية قراءة المنطقة بعين من يراقب موازين القوى فيها، وبأنّ ما يبدو صراعاً بين دولها قد ينتهي إلى تعزيز موقع إسرائيل على حسابها. ومن هنا، لا يكفي أن تسأل دول المنطقة عمّا إذا كانت قادرة على الانتصار في مواجهاتها؛ بل عليها أن تسأل أيضاً: مَن الذي يخرج أقوى حين تستنزف بعضها بعضاً؟

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الصراع السعودي ـ اليمني بوصفه نزاعاً محصوراً بين طرفين. فاستنزاف السعودية واليمن، وتبديد قدرات المنطقة في صراعاتها الداخلية، يتيحان لإسرائيل توسيع نفوذها، ويشتّتان الاهتمام عن طموحاتها التوسّعية، ويُضعفان قدرة دول المنطقة على التأثير في مستقبلها.

وثمة احتمال آخر لا يجوز إغفاله: إنّ الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل، تريان في اتساع الصراع السعودي – اليمني، وجهاً من أوجه التعويض عن نتائج حربهما على إيران، أو فرصةً لنقل الاستنزاف إلى ساحات أخرى، بعدما تعذّر حسم المواجهة في ساحتها الأصلية. فهذه الجبهة اليمنية- السعودية قد تبدّل موازين الضغط، وتستنزف قوى إقليمية إضافية، وتعيد توزيع الأعباء والمكاسب. ولا يعني ذلك بالضرورة أنّها صُنعت لهذا الغرض، لكن تداخل الجبهات يجعل نتائجها جزءاً من الحسابات الأوسع للصراع. وقد يصبح اتساع المواجهة وسيلةً لإعادة توزيع الضغط الإقليمي، فيما تتحمّل دول المنطقة كلفة استنزاف جديد، وتجد إسرائيل في احتراق محيطها فرصةً لفرض هيمنتها على الكلّ.

أمّا الولايات المتحدة، فالمسألة أبعد من اختلاف عابر في المصالح مع حلفائها؛ إنّها  سياسة تحكمها أولاً المصلحة الأميركية، ويحتل ضمان التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي موقعاً ثابتاً في حساباتها الإقليمية. فقانون مراقبة تصدير الأسلحة الأميركي، في المادة 36(h)، يوجب أن يتضمّن أي تصديق على بيع أسلحة إلى دولة في الشرق الأوسط غير إسرائيل، تأكيداً بأنّ الصفقة لن تؤثر سلباً في التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. وهذا ليس تأويلاً سياسياً، بل نصّ تشريعي صريح يكرّس مراعاة التفوق العسكري الإسرائيلي في قرارات تصدير السلاح الأميركي إلى المنطقة، وتوثّقه تقارير خدمة أبحاث الكونغرس. فأمن الحليف لا يتقدّم بالضرورة على الحسابات الاستراتيجية الأميركية.

ومن هنا، لا يمكن لأي دولة من دول المنطقة، أن تفترض أنّ الارتباط بواشنطن يحميها من نتائج الخيارات الأميركية. فحين تتقاطع تلك الخيارات مع ما يعزّز موقع إسرائيل، قد تتحمّل هذه الدول أثماناً باهظة، فيما تجني إسرائيل مكاسب استراتيجية من اختلال ميزان القوى. وإضعاف السعودية، إن انتهى إليه استمرار الاستنزاف، لا يهدّد استقرارها فحسب، بل يضيّق خياراتها ويزيد تعرّضها للضغوط، في لحظة يتصاعد فيها التنافس على رسم مستقبل الإقليم.

ولا تكتمل هذه القراءة من دون الإقرار بحقّ السعودية في الأمن، وبحقّ اليمن في السيادة والشعب اليمني في الحياة الكريمة. فاستهداف الأراضي السعودية لا يخدم أحداً، كما أنّ إخضاع اليمن لحرب مفتوحة وإبقاء شعبه تحت وطأة الحصار لا يضمن الأمن. والنتيجة الأخطر، أن يخرج الطرفان أضعف، وأن تصبح الحاجة إلى الحماية الخارجية أكبر، فيما تتسع مساحة التدخّلات الغربية ويبتعد الحلّ السياسي.

ولعلّ الأدهى، أن ينزلق الصراع إلى مواجهة إقليمية، تُستدرج إليها تركيا وباكستان دفاعاً عن السعودية، وتجد إيران نفسها في قلبها، مباشرةً أو عبر ساحات أخرى. عندها لا يعود الأمر استنزافاً لطرفَين، بل احتمالاً لاستنزاف المنطقة بأسرها. فليس كلّ تدخل دفاعي ضمانةً لاحتواء الحرب؛ إذ قد يصبح، بفعل الردود المتبادلة، مدخلاً إلى اتساعها. وهنا تكمن المفارقة: أن تنشغل دول المنطقة بحماية أمنها، فتجد نفسها في مواجهة تُضعف قدرتها على حمايته، فيما تتعزّز قدرة إسرائيل على فرض وقائع إقليمية تخدم مصالحها. لذلك، فإنّ منع اتساع الصراع ليس تنازلاً عن الأمن، بل شرط لحمايته.

من هنا، تبرز مسؤولية إيران وتركيا وباكستان في التحرُّك لمنع التصعيد، بالتنسيق مع الرياض والأطراف اليمنية، والدفع نحو وقف متبادل للهجمات وتسوية تضمن أمن السعودية وسيادة اليمن وحقّ شعبه في العيش. فالمطلوب ليس إنشاء محور جديد، ولا استبدال مواجهة بأخرى، بل منع اتساع الحرب وتحوّلها إلى صراع إقليمي، لا يملك أحد ضمان السيطرة على نتائجه. فترك الطرفين لاستنزاف متواصل لا يهدّد مصيرهما وحدهما، بل يهدّد مصير المنطقة بأسرها.

فإمّا أن تتعاون تلك الدول الثلاث على إطفاء النار قبل أن تتجاوز حدودها، وإمّا أن تنزلق هي نفسها إلى أتونها، فتتحوّل انقساماتها إلى وقود لمشاريع الآخرين. وعندئذ، لن تكون إسرائيل مضطرة إلى خوض الحروب لتحصيل كل مكاسبها؛ فقد تجد في استنزاف المنطقة ما يغنيها عن كثير من المواجهات، ويمنحها فرصاً لفرض وقائع وشروط على حساب شعوبها.

أما آن لشعوبنا ودولنا أن تعي أنّ خلاصها في تضامنها، وأنّ ما يجمعها من مصالح ومصير أكبر بكثير ممّا يفرّقها من خلافات

القاضي محمد وسام المرتضى – وزير الثقافة السابق

عن mcg

شاهد أيضاً

almontasher :رصيف صحافة اليوم الاربعاء14ىشرين الاول 2026

almontasher :رصيف صحافة اليوم الاربعاء14ىشرين الاول 2026 قراءة في الصحف حررها واعدها للاذاعة رمزي منصور …