خريطة كولومبيا الموسيقية ضيفة آخر حفلات الصيف:

نقر الصورة لتكبيرها

“أغريدا” يقود الفلهارمونيّة في رحلة ساحرة عبر الإيقاعات اللاتينية

ماجدة داغر

almontasher- امتزجت ثقافات القارات وتعانقت الأرواح الموسيقية، في أمسية فنية استثنائية أسدلت خلالها الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية الستارة على موسم حفلاتها الصيفية الكبرى”Summer Gala Concerts 2026″، باحتفالية كبرى مخصصة لاكتشاف الموروث الموسيقي الكولومبي الغني والفريد.

أُقيم الحفل بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس وبالتعاون مع سفارة كولومبيا في لبنان، وشهد حضوراً ديبلوماسياً وثقافياً بارزاً تقدمه السفير الكولومبي لدى لبنان إدوين أوستوس- ألفونسو.

تُمثل هذه الحفلة المحطة الأخيرة والأبرز في رحلة صيفية حافلة خاضها المعهد بأوركستراته وموسيقييه وأنسمبلاته وفرقه وجوقاته، حيث تنقل بين مختلف المناطق اللبنانية مقدّماً حفلات متنوعة بين الشرقي والعالمي. وجاءت هذه الأمسية لتشكل نافذة نادرة لاكتشاف عالم موسيقي يتّسم بغنى هائل وتباين مدهش، فكولومبيا لا تمتلك صوتاً موسيقياً أحادياً، بل تتسع جغرافيتها الاستثنائية لتنتج تنوعاً فريداً يتوزع بين ساحل المحيط الهادئ، جبال الأنديز، البحر الكاريبي، سهول الأورينوكو الشاسعة، والجزر. فحمل الحفل أجواء هذا التنوع الجذاب والجميل إلى جمهور الموسيقى في لبنان.

بعد النشيدين الوطنيين اللبناني والكولومبي اللذين عزفتهما الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو الكولومبي كارلوس أغريدا (Carlos Ágreda).

القواس

وفي كلمة ملؤها البعد الثقافي والرؤية الفنية العميقة، ألقت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة  القواس، كلمة إفتتاحية مؤثرة عكست أبعاد التعاون الثقافي ومدّ جسور التواصل بين الشعوب، وقالت :

“تحتل هذه الليلة مكانة خاصة في مسيرة الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، ونحن نختتم بها حفلاتنا الصيفية (Summer Gala Concerts 2026).

كان صيفاً حافلاً ومكثفاً لفلهارمونيتنا، تنقلنا عبر لبنان، والتقينا بجمهور مختلف، وقادة وعازفين مختلفين، واستكشفنا ريبرتوارات متنوعة. ويسعدني أن نختتم هذه الرحلة الليلة باكتشاف عالم موسيقي نادراً ما أتيحت لنا الفرصة لاستكشافه بهذا العمق:كولومبيا”.

وتوجهت  بالشكر إلى السفير إدوين أوستوس-ألفونسو، وقالت :”

عزيزي إدوين، منذ محادثاتنا الأولى حول تعاوننا وهذا المشروع، لم يكن ما يهمني مجرد تنظيم حفل كولومبي في بيروت، بل فهم ما تبدو عليه كولومبيا نفسها.

والجواب، بطبيعة الحال، هو أن كولومبيا ليس لها صوت واحد. فجغرافيتها الاستثنائية أنتجت تنوعاً موسيقياً استثنائياً: ساحل المحيط الهادئ، جبال الأنديز، البحر الكاريبي، سهول الأورينوكو الشاسعة، والجزيرة تلو الأخرى، وكل منها يتميز بتقاليده، وإيقاعاته، وآلاته، وطابعه الموسيقي الخاص. لذا فإن برنامج الليلة يُعد تقريباً خريطة موسيقية لكولومبيا. ووراء هذا التنوع يكمن شيء جوهري في الموسيقى الكولومبية: التقاء التقاليد الأصلية (السكان الأصليين)، والتراث الإفريقي، والتاثيرات الأوروبية، بنسب وأشكال مختلفة وفقاً لكل منطقة”.

وأضافت القواس: “ولعل هذا اللقاء لا يظهر بوضوح ومباشرة في أي مكان كما يظهر في رقصة “الكومبيا” (Cumbia)، التي ولدت على الساحل الكاريبي لكولومبيا وتحولت بمرور الوقت لتصبح إحدى البصمات الموسيقية التي عرفت بها كولومبيا حول العالم. ولدينا اليوم امتياز اكتشاف هذا الريبرتوار مع قائد أوركسترا كولومبي يعرف هذه اللغة الموسيقية من الداخل: المايسترو كارلوس أغريدا. يمثل كارلوس جيلًا رائعًا من قادة الأوركسترا الذين ترتبط هوية موسيقاهم ارتباطاً عميقاً بجذورها وفي الوقت ذاته عالمية بالكامل. فقد كان زميلاً لدوداميل مع أوركسترا لوس أنجلوس الفلهارمونية، ودرس في معهد كيرتس تحت إشراف يانيك نيزيه- سوجان، وقاد أبرز أوركسترات كولومبيا، وحمل الموسيقى الكولومبية معه إلى المسارح العالمية”.

وختمت: “إلى جانب الإيقاعات التقليدية لكولومبيا، سنستمع إلى معزوفة “مراكبنا عال مينا” للأخوين رحباني، بتوزيع أوركسترالي لجمال أبو الحسن، وهو عمل لبناني يستمد حياته أيضاً من اللحن، والإيقاع، والذاكرة الشعبية. ويصل البرنامج إلى عالم موسيقي لبناني آخر من خلال عمل “النبي” لغبريال يارد للجوقة والأوركسترا.

وبينما تختتم هذه الليلة رحلتنا الصيفية، تبدأ رحلة أخرى في الأسبوع المقبل. يوم الجمعة، الثاني من تشرين الأول، سنفتتح موسم 2026-2027 للأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، ونطلق رسمياً “2026 – عام وليد غلمية”، إحياءً للذكرى الخامسة عشرة لرحيله. فعلى مدار الموسم المقبل، ستعود موسيقى غلمية إلى ربرتوار الأوركسترا، ليست حصرية في أمسية تذكارية واحدة، بل ستُسمع عبر برامج مختلفة طوال العام. ولهذا أهمية خاصة لمؤسستنا: فلم يكن وليد غلمية مؤلفاً موسيقياً لبنانياً بارزاً فحسب، بل كان شخصية مركزية في تاريخ الكونسرفتوار وفي تأسيس الأوركسترا السمفونية الوطنية التي تطورت عنها الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية اليوم”.

السفير الكولومبي

وكانت كلمة للسفير الكولومبي في لبنان إدوين أوستوس- ألفونسو عبّر فيها عن أهمية هذا الحفل الاستثنائي ،وقال: “إن برنامج هذه الأمسية مخصص لمشاركة الموسيقى الكولومبية والاحتفاء بتنوعها وألحانها المميزة. يُعد هذا الحدث مثالاً رائعاً للديبلوماسية الثقافية، فهو يعكس صداقة كولومبيا العميقة ودعمها للبنان، وهو بلد استثنائي حقاً يتمتع بمستقبل مشرق”.

وقال :”إن قوة شعبه تظل راسخة لا تُكسر في الأوقات الصعبة. يتطلع اللبنانيون إلى الأمام، في اختيار التعليم والابتكار لبناء غدٍ أفضل على هذه الأرض الجميلة”.

وختم السفير كلمته بشكر خاص للدكتورة هبة القواس “على دعمكم الحيوي، وطاقتكم، وروحكم العظيمة التي تلهم حبنا للموسيقى وتسمح لنا بتعزيز أواصر الصداقة من خلال هذا الحفل. شكراً لكم، أيها الموسيقيون الأعزاء في الأوركسترا، وشكراً لك أيها المايسترو. الليلة، نود أن نؤكد مجدداً أن كولومبيا تقف قريبة وموحدة مع الشعب اللبناني”.

وفي تقرير أعدته المستشارة الإعلامية للمعهد ماجدة داغر، أشار الى ان الحضور، الذي ملأ الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت،  انتقل إلى عوالم خاصة وفضاءات مختلفة من الموسيقى الكولومبيّة الحيّة والمبهرة التي تتضمن موسيقى البحر والجبال ونبض الثقافة الكولومبية. وتجسد هذا التنوع بوضوح تام في برنامج الحفل الذي شكل خريطة موسيقية متكاملة وسفراً شغوفاً إلى ما خلف المحيط، تضمن مقطوعات شهيرة تعكس روح مناطق كولومبيا المتعددة، مثل “مي بوينافنتورا” للموسيقي بترونيو ألفاريز عن منطقة الهادئ، و”لا غاتا غولوسا” لفولجينسي غارسيا و”سيريلاتا في تشوكونتا” لأخيه أليخاندرو توبار عن الأنديز، إلى جانب أعمال تعبر عن التراث الشعبي مثل “لا غوانينيا”، ومقطوعات الكاريبي والسهول مثل “آي مي يانورا” لأرنولفو بريسينو، و”لا بوليرا كولورا” لخوان ماديرا كاسترو، وصولاً إلى “يو مي يامو كومبيا” لماريو غارينا و”تولو” للوحو بيرمُدِس.

قاد هذه الرحلة الموسيقية الساحرة المايسترو الكولومبي العالمي كارلوس أغريدا (Carlos Ágreda)، في قيادة استثنائية مليئة بالحياة والحيوية والشغف. وعكست قيادته الشبابية روح الكاريبي النابضة بالحرية والإيقاعات الراقصة. فقد أضفى بحضوره الديناميكي وعصا قيادته الحيّة أبعاداً مذهلة تعكس جوهر الموسيقى الكولومبية بسحرها المتدفق وشغفها اللامتناهي. ويمثل كارلوس جيلاً فريداً من قادة الأوركسترا الذين تجمع هويتهم الموسيقية بين العمق الجذري والانفتاح العالمي، فقد نجح في نقل نبض الموسيقى الكولومبية من الداخل، مبرزاً ذلك التفاعل التاريخي المدهش بين التقاليد الأصيلة للسكان الأصليين، والتراث الإفريقي، واللمسات الأوروبية التي تصنع الهوية الثقافية لكولومبيا.

وانسجاماً مع الاستراتيجية الثقافية المعتمدة التي ترسخ حضور المؤلف اللبناني في كل حفل موسيقي غربي تنظمه المؤسسة، حيث تضمن البرنامج قطعة خالدة من الذاكرة اللبنانية تمثلت في أغنية “مراكبنا عال مينا” للأخوين رحباني، والتي قُدمت بتوزيع أوركسترالي جديد أعده المؤلف اللبناني الدكتور جمال أبو الحسن، وبأداء لافت لكورال القسم الشرقي في المعهد العالي للموسيقى، لتتلاقى الإيقاعات الكولومبية مع الإرث الشعبي واللحني اللبناني في انسجام تام. بالإضافة إلى عمل “النبي” للمؤلف اللبناني العالمي غبريال يارد.

بهذا الحفل التاريخي، الذي حمل بصمة موسيقية مميزة وجديدة، تودع الأوركسترا الفلهارمونية موسمها الصيفي على أمل اللقاء في المحطات الكبرى القادمة، مكرسةً دور بيروت كجسر للتفاعل الحضاري والدبلوماسية الثقافية الخلاقة.

عن mcg

شاهد أيضاً

الذكاء الاصطناعي يغير قطاع الفعاليات والتكنولوجيا اللبنانية تنطلق عالميا مع Blend

نقر الصورة لتكبيرها almontasherتأسست Blend في لبنان على يد ليو تشينوزيان وراياد مغامس وجو زاخور، …