نقر الصورة لتكبيرها :
لماذا لا تكمن المشكلة في غياب الدولة… بل في تعدد الدول داخل الدولة؟
بقلم: نورا علي المرعبي
اعتاد اللبنانيون مقاربة أزماتهم من زاوية الأشخاص والحكومات والانتخابات، وكأن تغيير الوجوه كفيل بتغيير المسار. إلا أن التجربة المتكررة أثبتت أن الأزمات تتبدل أشكالها فيما تبقى جذورها ثابتة، ما يفرض الانتقال من سؤال “من يحكم؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “ما هي الدولة التي نحاول إنقاذها؟”
في علم السياسة، تُعرَّف الدولة الحديثة بأنها المرجعية النهائية لإنتاج القرار العام وتنفيذه ومحاسبة المسؤولين عنه. وقد اختصر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر هذا المفهوم عندما اعتبر أن الدولة هي الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها. غير أن جوهر تعريف الدولة لا يكمن في احتكار القوة فقط، بل في احتكار الشرعية واحتكار المعنى؛ أي أن تكون المرجع الأخير الذي يحتكم إليه الجميع عند تضارب المصالح واختلاف الروايات.
من هنا تنطلق فرضية أراها مفتاحاً لفهم الحالة اللبنانية: إن أزمة لبنان ليست أزمة احتكار القوة فحسب، بل أزمة احتكار المعنى.
فعندما يختلف المواطنون حول هوية الدولة، ودورها، وأولوياتها، ومصدر شرعيتها، تصبح المؤسسات عاجزة عن أداء وظيفتها مهما بلغت كفاءتها. فالدول لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل باتفاق جماعي على المرجعية التي تمنح هذه القوانين معناها وقوتها.
لهذا السبب تبدو الحالة اللبنانية مختلفة عن معظم نماذج الدول الهشة. فلبنان لا يعيش فراغاً في السلطة، بل فائضاً فيها. ولا يعاني من غياب مراكز القرار، بل من تعددها. هناك مراكز سياسية وطائفية وحزبية واقتصادية وخارجية تمتلك بدرجات متفاوتة القدرة على التأثير أو التعطيل أو التوجيه. وبدلاً من أن تكون الدولة المرجعية التي تنظم العلاقة بين هذه القوى، تحولت في كثير من الأحيان إلى إحدى ساحات التفاوض بينها.
تصف الأدبيات السياسية الحديثة هذه الظاهرة بمفهوم “السيادة المجزأة” Fragmented Sovereignty، حيث تتوزع السلطة الفعلية بين فاعلين متعددين، فيتراجع مركز القرار الوطني وتتآكل القدرة على إنتاج سياسات مستقرة طويلة الأمد. وعندما تصبح السلطة موزعة بهذا الشكل، لا يعود السؤال: من يملك السلطة؟ بل: هل ما زالت هناك سلطة واحدة قادرة على جمع الجميع تحت سقفها؟
هنا أيضاً يُساء فهم مفهوم “الدولة العميقة”. ففي الأدبيات الأكاديمية لا تعني الدولة العميقة مؤامرة خفية أو تنظيماً سرياً، بل الشبكات المؤسسية والاقتصادية والسياسية القادرة على التأثير المستمر في القرار العام بغض النظر عن تغير الحكومات. غير أن لبنان تجاوز هذا النموذج نحو واقع أكثر تعقيداً؛ إذ لا يواجه دولة عميقة واحدة، بل منظومات نفوذ متعددة ومتوازية، لكل منها مصادر شرعيتها وشبكاتها ومجال تأثيرها.
ولعل هذا ما يفسر تعثر معظم مشاريع الإصلاح. فالإصلاح الاقتصادي لا ينجح في غياب مرجعية قرار مستقرة، والإصلاح الإداري يفقد فاعليته عندما تتعدد مراكز النفوذ، والإصلاح السياسي يبقى محدود الأثر عندما تكون الأزمة أعمق من النصوص والمؤسسات. فالمشكلة ليست في نقص الحلول، بل في البيئة التي يُفترض أن تُنفذ فيها هذه الحلول.
يزداد هذا التحدي تعقيداً في لحظة تاريخية يشهد فيها العالم تحولات غير مسبوقة. فالدول الناجحة اليوم لم تعد تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قوتها العسكرية، بل بقدرتها على إدارة المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية. لقد انتقل العالم من الدولة البيروقراطية إلى الدولة الذكية، ومن إدارة الموارد إلى إدارة المعلومات، بينما لا يزال لبنان منشغلاً بحسم أسئلة تأسيسية كان يفترض أن تكون محسومة منذ عقود.
ومع ذلك، فإن مستقبل لبنان ليس قدراً محتوماً. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهض عندما تتغير الحكومات، بل عندما تعيد تعريف علاقتها بذاتها. لقد نجحت دول كثيرة في الانتقال من الانقسام إلى الاستقرار لأنها تمكنت من بناء ما يمكن تسميته “المرجعية الوطنية الجامعة”؛ أي الإطار الذي تصبح فيه الدولة فوق التنافس السياسي لا جزءاً منه، وفوق المصالح الفئوية لا انعكاساً لها.
إن خارطة الطريق الواقعية للبنان لا تبدأ بإنتاج زعيم جديد، بل بإنتاج دولة جديدة. دولة تستعيد مرجعيتها السيادية، وتبني قضاءً مستقلاً، وإدارة قائمة على البيانات، واقتصاداً قائماً على الابتكار، وعقداً وطنياً رقمياً جديداً يربط المواطن بالمؤسسات عبر الشفافية والكفاءة والمساءلة.
في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على جعل الجميع يؤمنون بمرجعية واحدة تحكم هذه القوانين. وعندما تفقد الدولة احتكار المعنى، تتعدد الحقائق، وتتعدد الشرعيات، وتتعدد الولاءات، فيصبح الوطن نفسه موضوعاً للنقاش بدل أن يكون الإطار الجامع له.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم ليس من يحكم، بل ما إذا كان اللبنانيون مستعدين لاستعادة فكرة الدولة نفسها.
فالدول لا تموت عندما تضعف مؤسساتها. الدول تموت عندما تتحول من مرجعية جامعة إلى مجرد وجهة نظر.
Al Montasher News
