نقر الصورة لتكبيرها

– تراجع التحويلات بنسبة 10 و15% خلال فترة الحرب

– تشكل التحويلات ما بين 28% و32% من الناتج المحلي الإجمالي

– أكثر من 70% من العائلات تعتمد على الحوالات

– الدولة شبه غائبة… والتحويلات بديل فعلي عنها

almontasher -الديار “/في لبنان لم تعد تحويلات المغتربين مجرد دعم إضافي، بل تحولت إلى ركيزة أساسية للبقاء، وعمود مالي تعتمد عليه آلاف الأسر، في ظل انهيار القدرة الشرائية وتفاقم الأزمة المالية، ما جعلها طوق نجاة يعيد ترميم الدخل المفقود ، ويؤجل الانهيار المعيشي.

إلا أن هذا الشريان الحيوي بدأ يظهر علامات ضغط، مع تراجع التحويلات بنسبة 10 و15% خلال فترة الحرب، نتيجة الضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية، إضافة إلى العراقيل التي تؤثر على تدفق الأموال.

ويشير الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة إلى أن “هذا التراجع مرتبط بتباطؤ الأوضاع في دول الاغتراب، خصوصا في الخليج وأوروبا”، ومؤكداً أن “الأزمة باتت عالمية لا محلية”.

أرقام تكشف اعتماداً استثنائياً

ووفق بيانات البنك الدولي، يعد لبنان من بين أكثر دول العالم اعتمادا على التحويلات، إذ احتل المرتبة الثانية عالميا، وتراوحت التحويلات بين 6.2 و7.6 مليارات دولار سنويا في خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2023، وسجلت نحو 6.9 مليارات دولار في عام 2022، وارتفعت إلى قرابة 7.4 مليارات دولار في 2023 ، قبل أن تتراجع إلى نحو 5.8 مليارات دولار في 2024 .

أما في عامي 2025 و2026 فتشير التقديرات إلى استقرارها بين 5.8 و6 مليارات دولار، ما يعكس ثباتا هشا أكثر مما يعكس استقرارا فعليا، في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية. وتشكل هذه التحويلات ما بين 28% و32% من الناتج المحلي الإجمالي.

بين الوطن والاغتراب قصص

على أرض الواقع، تتحول هذه الأرقام إلى قصص يومية تعكس هشاشة المعيشة .

تقول أم علاء إن ابنها في السعودية “هو اللي شايل البيت”، مضيفة “إذا وقف التحويل ما منقدر نكمل، عايشين على التحويلة متل النفس”.

ويؤكد سليم أن شقيقه في كندا هو مصدر دخله الوحيد، بعد توقف عمله في لبنان، قائلا “كنت أعيش من تعبي، واليوم عايش على اللي بيجي من برا”.

أما مريم فتشير إلى أن تعليمها مرتبط باستمرار الدعم من عمتها في ألمانيا .

في حين يوضح زكي أن تراجع الحوالات إلى النصف، دفعه لتقليص نفقاته وتأجيل الإيجار وبعض الحاجات الأساسية، في انعكاس مباشر لتدهور القدرة الشرائية.

في المقابل، لا تقل الضغوط على المغتربين، إذ تتحول التحويلات إلى التزام شهري يقول رامي، الذي يؤكد ان الكثيرين يظنون أن حياة المغترب سهلة، “لكن الواقع مختلف مع ارتفاع الإيجارات والمصاريف والتزامات العائلة”، مشيرا إلى أنه يوازن كل شهر بين احتياجاته الخاصة، وما يرسله لعائلته أحيانا على حساب ادخاره ، معتبراً أن “التحويلات أصبحت مسؤولية دائمة لا خيارا”.

وتلتقي هذه الشهادات عند حقيقة واحدة، أن آلاف العائلات اللبنانية باتت مرتبطة بدخل خارجي.

خريطة التحويلات

وتتوزع تحويلات المغتربين على أربع مناطق رئيسية، تتصدرها دول الخليج بما يقارب 60% من الإجمالي ، على الرغم من تسجيل تراجع نسبي نتيجة التباطؤ الاقتصادي، وتشدد سياسات العمل والتوترات الإقليمية.

وتأتي أوروبا كمصدر مهم لكن أقل استقرارا، بفعل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة الذي حد من قدرة المغتربين على الادخار والتحويل.

أما أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) فتعد الأكثراستقرارا، إذ حافظت على وتيرة التحويلات، بل سجلت ارتفاعا طفيفا في بعض الفترات، مستفيدة من قوة الجاليات اللبنانية واستقرار سوق العمل ، وتشكل مع أوروبا نحو 35% من إجمالي التحويلات.

في المقابل، تتراجع مساهمة أميركا اللاتينية إلى أقل من 5% ، نتيجة أزماتها الاقتصادية وانهيار بعض العملات، ما حد من قدرة المغتربين على دعم عائلاتهم.

من الاستثمار الى الاستهلاك

لم يقتصر التغيير في تحويلات المغتربين على حجمها ، بل شمل أيضا وظيفتها، إذ كانت سابقا تستخدم في شراء العقارات وتمويل الاستثمارات ودعم المشاريع الإنتاجية، بينما توجه اليوم بشكل شبه كامل لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ويعكس هذا التحول انتقالها من أموال تحرك النمو الاقتصادي إلى تحويلات استهلاكية بحتة، خاصة مع اعتماد أكثر من 70% من العائلات اللبنانية عليها، لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش، ما جعلها أقرب إلى مسكن للأزمة بدل أن تكون محركا للنمو.

اعتماد محفوف بالمخاطر

تكرس هذا الواقع في ظل غياب أي خطة اقتصادية فعلية، وتراجع الرواتب وانهيار الخدمات العامة، حيث تبدو الدولة شبه غائبة، ما جعل تحويلات المغتربين بديلا فعليا عنها، وشبكة أمان اجتماعية، ومصدرا شبه وحيد للعملة الصعبة.

لكن خطورة هذا الاعتماد تكمن في هشاشته، لارتباطه بوظائف المغتربين واستقرار الدول المضيفة لهم ، وتأثره بالتقلبات العالمية، ما يجعله أمانا غير مستقر وقابلا للتراجع في أي لحظة. ويحذر خبراء من أن أي انخفاض إضافي سينعكس مباشرة على ارتفاع الفقر، وتدهور القدرة الشرائية، وتسريع الهجرة.