المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت ماذا في تقييم الحالة الجديد

عودة العجز المزدوج: تداعيات الحرب على المالية العامة في لبنان

مقدمة

almontasher :تواجه المالية العامة في لبنان تحديات جمّة بسبب الحرب الدائرة على لبنان وفي المنطقة؛ فالتقديرات تشير إلى وجود تراجع في الإيرادات العامة، وارتفاع في النفقات، فضلًا عن التعثّر المؤسّسي المرتبط بالتسهيلات الممكن إصدارها لجهة تمديد مهل التسديد أو الإعفاءات، فضلًا عن عوامل بنيوية أخرى من بينها الانهيار المالي والنقدي منذ عام 2019، ثم الحرب السابقة في عام 2024، والتي أدّت إلى انتقال العاملين في القطاع العام إلى مؤسسات القطاع الخاص، أو إلى هجرتهم إلى خارج لبنان. وفي النتائج، قد لا تستطيع الحكومة اللبنانية الحفاظ على تصفير العجز المالي، ما يعيد لبنان إلى دوامة العجز المزدوج، أي في الموازنة والحساب الجاري في الوقت عينه. الموازنة العامة لعام 2026: التوقعات والسياسات في 10 شباط/فبراير صدر قانون الموازنة العامة لعام 2026، والذي تضمن نفقات بقيمة 538,415 مليار ليرة

(6.01 مليار دولار وفق سعر الصرف الوسطي لليرة اللبنانية مقابل الدولار البالغ 89,500 ليرة لكل دولار)، أي بزيادة 93,201 مليار ليرة (ما يعادل 1 مليار دولار) مقارنة به في عام 2025. وعلى ضفّة الإيرادات قدّرت موازنة 2026 أنه في نهاية السنة ستكون النتيجة المالية صفرية بين النفقات والإيرادات للسنة الثالثة على التوالي.

وقد بُنِيت هذه الموازنة على أساس الاستقرار والأمن وفق منهجية تأمين الملاءة المالية وتحقيق فائض في الميزان الأولي ضمانةً للاستقرار المالي. لذلك، توقّعت وزارة المالية أن يُحقّق اقتصاد لبنان نموًّا حقيقيًّا في عام 2025 بنحو 2.5 في المئة، وقدّرت أن النموّ لعام 2026 سيبلغ 3.5 في المئة. ومن محرّكات هذا النموّ المتوقع، أن يحصل لبنان على تمويل خارجي مرتبط بمشاريع مع البنك الدولي في مجالي إعادة الإعمار والتنمية، إضافة إلى هبات مرتقبة من الاتحاد الأوروبي لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي، وبدء تنفيذ آلية استرداد الودائع.

علاوة على ذلك، توقعت وزارة المالية اللبنانية أن تبلغ نسبة التضخّم في نهاية عام 2026 نحو 8 في المئة بعد فترة طويلة من التضخّم المرتفع الذي بلغ ذروته في نيسان/أبريل 2023 بمعدل 268 في المئة، ثم بدأ ينخفض بعد استقرار سعر الصرف وصولًا إلى 45 في المئة في عام 2024 و15 في المئة في عام 2025.

وفي إطار تعزيز الملاءة المالية، حدّدت وزارة المالية هدفًا يتعلق بتأمين فائض في الميزان الأولي لا يقلّ عن 2 في المئة من الناتج المحلي؛ حيث إن هذا الأمر يتيح لها مواجهة التزامات مترتبة على الدولة اللبنانية؛ تسديد أقساط الديون، تقليص أعباء الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي في الأمدين المتوسط والطويل، وذلك عبر إعداد استراتيجية لتعزيز الإيرادات مرتكزها الأساسي تحسين الامتثال الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي وترشيد الإعفاءات الضريبية. وفي المقابل، يجب أن تكون النفقات ضمن أولويات أبرزها «تعزيز الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز القدرات المؤسساتية وبناء إدارة فعالة»، أي أن الإنفاق التشغيلي يجب ألا يزيد على 50 في المئة من مجموع الاعتمادات المالية في الموازنة. هذا وتوزّعت مصادر الإيرادات في موازنة عام 2026 على النحو الآتي: 81.6 في المئة من الإيرادات الضريبية،

18.4 في المئة من مداخيل غير ضريبية. وبلغت قيمة الإيرادات الضريبية 439,613 مليار ليرة (4.9 مليار دولار) في مقابل إيرادات غير ضريبية بقيمة 98,802 مليار ليرة (1.1 مليار دولار).

وثمّة خمسة أبواب رئيسية للإيرادات الضريبية:

• 47.5 في المئة أو ما يوازي 255,789 مليار ليرة (2.85 مليار دولار) من الرسوم الداخلية على السلع والخدمات.

• 13.7 في المئة أو ما يوازي 73,907 مليار ليرة (825.7 مليون دولار) من الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية.

• 10.7 في المئة أو ما يوازي 57,647 مليار ليرة (644.1 مليون دولار) من الضرائب على الدخل والأرباح ورؤوس الأموال.

• 6.68 في المئة أو ما يوازي 36,007 مليار ليرة (402.3 مليون دولار) من الضرائب على الأملاك.

• 3 في المئة أو ما يوازي 16,261 مليار ليرة (181.6 مليون دولار) من إيرادات ضريبية مختلفة.

أما بالنسبة إلى النفقات، فإن السياسة المالية رسمت حدودًا واضحة تعتمد على أن الأهداف المحدّدة لتعزيز الملاءة المالية وتحقيق فائض أولي لا تسمح بزيادة النفقات الجارية التي بلغت نسبتها 89.4 في المئة من حجم الموازنة في مقابل 10.6 في المئة للنفقات الاستثمارية، بل تجعل الحكومة تعمل على ترشيد الإنفاق وضبطه.

صدمة الحرب مجدّدًا

أُعدّت موازنة عام 2026 في سياق مسار التعافي الذي انطلق بعد نهاية الحرب التي اندلعت بين لبنان وإسرائيل في خريف 2024. وخلال أكثر من 15 شهرًا، أُقرّت موازنة عام 2024 من دون تضمينها أي إصلاح رغبة من الحكومة في مزيد من النقاشات لإعداد موازنة عام 2026 وإدراج خطوات إصلاحية فيها. لكن هذا المسار كان شديد الهشاشة، وفق توصيف البنك الدولي، نظرًا إلى اعتماده على عوامل مؤقتة، مثل توسّع الاقتصاد النقدي وتحسّن الجباية الضريبية في ظل غياب إصلاحات بنيوية في القطاع المالي. وقد خلص البنك الدولي في تقرير مرصد لبنان الدوري، إلى أن أي صدمة كبيرة قد تقوِّض هذه التوقعات سريعًا وتعيد الاقتصاد إلى مسار الانكماش.

بالفعل، يبدو أن «الصدمة الكبيرة» حصلت في 2 آذار/مارس مع بدء تبادل الضربات الصاروخية بين لبنان وإسرائيل، وتوسع العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو ما أعاد خلط الأوراق كلّها في ما يتعلّق بالوضع المالي على صعيد النفقات والإيرادات، وعلى صعيد المزيد من الخسائر. فطوال 66 يومًا اعتبارًا من 23 أيلول/سبتمبر 2024 ولغاية 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تكبّدت الخزينة اللبنانية خسائر كبيرة في الإيرادات والنفقات من دون أن يتوقف الأمر على هذه الفترة الزمنية لأسباب متعلقة بخسائر الحرب الاقتصادية التي لحقت بالمؤسسات وأضعفت قدرتها على تسديد الضريبة، ولأن الحكومة اللبنانية اتخذت إجراءات ذات صلة بتعليق جميع أنواع مهل تسديد الضريبة للمكلّفين، إضافة إلى إعفاءات تتعلق بالمتضررين المباشرين من الحرب.

خسائر الإيرادات: مليون دولار يوميًّا

قبل اندلاع الحرب في خريف 2024، أي في الأشهر التسعة الأولى من تلك السنة، بلغت قيمة الإيرادات 235,999 مليار ليرة، أي بمتوسط شهري يبلغ 26,222 مليار ليرة. وفي الأشهر الثلاثة التالية، وهي الفترة التي بدأت فيها مفاعيل الحرب في الظهور بوضوح على النشاط الاقتصادي وعلى قدرة الدولة على الجباية، انخفضت قيمة الإيرادات المحصّلة إلى 70,035 مليار ليرة، أي بمتوسط شهري يبلغ 23,345 مليار ليرة.

ويمكن قياس الخسارة اللاحقة بالإيرادات بين هاتين الفترتين من خلال الفرق في المتوسط الشهري، ثم تحويل الخسارة الشهرية إلى خسارة يومية. وعلى هذا الأساس بلغت قيمة التراجع في المتوسط الشهري للإيرادات

2,877 مليار ليرة أو 95.9 مليار ليرة يوميًّا. وباحتساب سعر الصرف البالغ 89,500 ليرة للدولار، يمكن تقدير هذه الخسارة بما يقارب مليون دولار يوميًّا من الإيرادات العامة، أو خسارة يومية في الإيرادات بنسبة 11 في المئة.

وعند تفصيل هذه الخسائر بحسب بنود الإيرادات، يظهر أن الرسوم الجمركية كانت من أكثر البنود تأثرًا. فقد تراجع متوسط التحصيل الشهري من نحو 3,994 مليار ليرة قبل الحرب إلى نحو 3,316 مليار ليرة خلال الأشهر الأخيرة من السنة، أي ما يقارب 678 مليار ليرة خسارة شهرية، بمعدل 22.6 مليار ليرة يوميًّا تقريبًا. ويرتبط هذا التراجع أساسًا بانخفاض حركة الاستيراد نتيجة تراجع الطلب المحلي وتعطل جزء من سلاسل النقل والتجارة خلال فترة الحرب.

أما ضريبة القيمة المضافة (VAT) فقد شهدت أيضًا انخفاضًا ملحوظًا، وإن كان أقل حدّة نسبيًّا. فقد تراجع متوسط التحصيل الشهري من نحو 10,212 مليار ليرة قبل الحرب إلى نحو 9,426 مليار ليرة بعدها، أي بخسارة شهرية تقارب

786 مليار ليرة، أي 26 مليار ليرة يوميًّا. ويعكس هذا التراجع انكماش الاستهلاك المحلي في عدد من القطاعات، على الرغم من استمرار جزء من الطلب على السلع الأساسية، إضافة إلى ضعف قدرة الدولة على جباية هذه الضرائب في الحرب، وفي الفترة التي تلتها.

في المقابل، سجّلت إيرادات الاتصالات تراجعًا أكبر نسبيًّا. فقد انخفض متوسط التحصيل الشهري من نحو 1,779 مليار ليرة إلى نحو 1,277 مليار ليرة، أي خسارة شهرية تقارب 502 مليار ليرة، أي 16.7 مليار ليرة يوميًّا. ويرتبط هذا الانخفاض بتراجع النشاط الاقتصادي العام وانخفاض استهلاك بعض الخدمات خلال الحرب والأشهر اللاحقة لها.

ويبرز في هذه المقارنة استثناء يتمثّل في الرسوم العقارية التي شهدت ارتفاعًا خلال الأشهر الأخيرة من السنة. فقد ارتفع متوسط التحصيل الشهري من نحو 746 مليار ليرة إلى نحو 1090 مليار ليرة. ويُرجَّح أن يكون هذا الارتفاع مرتبطًا بتسجيل معاملات مؤجّلة أو بتسوية عمليات عقارية قبل نهاية السنة المالية والمخاوف السوقية التي كانت رائجة آنذاك، هذا ويمكن الاستفادة من إعفاءات متعلقة بسعر الصرف أو من رغبة الدولة في زيادة رسوم التسجيل العقارية، وهو ما قد يفسر الاتجاه المعاكس لهذا البند مقارنة بباقي الإيرادات.

بشكل عام، تظهر هذه الأرقام أن الحرب لم تؤدِّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي فحسب، بل انعكست مباشرة على قدرة الدولة على الجباية. فمع خسارة تقارب مليون دولار يوميًّا من الإيرادات العامة، تصبح المالية العامة أكثر عرضة للضغط، خصوصًا في ظل ارتفاع النفقات الطارئة المرتبطة بالإغاثة والنزوح ودعم الخدمات الأساسية. وهذا يعني أن استمرار الحرب فترة أطول قد يؤدي إلى اتساع الفجوة المالية بصورة أكبر، ما يضع الخزينة أمام تحديات إضافية في تمويل النفقات الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي.

انطلاقًا من هذه الحسابات، يمكن افتراض أن كل يوم إضافي من الحرب يؤدّي إلى خسارة مماثلة تقريبًا في الإيرادات العامة. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تعكس الخسائر المباشرة التي تحدث أثناء الحرب نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وتعطل جزء من حركة التجارة والاستهلاك. أما التأثيرات الاقتصادية الكاملة للحرب، فتظهر عادةً بعد توقف العمليات العسكرية، حيث تستمر انعكاسات النزاع على الاقتصاد فترة أطول عبر تراجع الاستثمار وتعطل المؤسسات وتأخر عودة النشاط الاقتصادي إلى مستوياته الطبيعية؛ لذلك قد تحمل الفترة التي تلي الحرب خسائر إضافية في الإيرادات العامة نتيجة استمرار الانكماش الاقتصادي وتعثر عملية التعافي المالي.

في الواقع، لا تتوفّر معطيات رقمية مفصّلة عن الإيرادات الشهرية في عام 2025 لقياس الأثر الممتدّ زمنيًّا، لكن ما لا شكّ فيه هو أن الأثر الانكماشي للإيرادات سيمتدّ أشهرًا. فقد أصيبت المؤسّسات المكلّفة بالضريبة بالإرهاق والأعباء الكبيرة لإعادة تكوين جزء من رساميلها أو لشراء مخزون جديد من السلع الأولية والنهائية، فضلًا عن القدرات الشرائية لأصحاب

المداخيل بدأت تتركّز في صيانة الأضرار أو في البحث عن مسكن جديد، وهو ما أدّى إلى ارتفاع في أسعار الإيجارات السكنية بشكل عام.

النفقات تحت الضغط

لم تُسجّل زيادة كبيرة في النفقات في فترة ما بعد انتهاء الحرب في 26 تشرين الثاني/أكتوبر 2024. وهذا يعود إلى قرار اتخذته الحكومة اللبنانية بترشيد الإنفاق. فلم يُخصّص في الموازنة العامة لعام 2025 أي مبلغ لإعادة الإعمار، بل اعتمدت الحكومة على المبالغ المرصودة لكلّ من الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب وهي مبالغ زهيدة جدًّا. بلغت قيمة المبالغ المرصودة لمجلس الجنوب وقسم كبير منها للرواتب والأجور ومشاريع سبق أن بدأ تنفيذها، نحو 1022 مليار ليرة، بينما بلغت قيمة المبالغ المرصودة للهيئة العليا للإغاثة وهي في قسم كبير منها للرواتب والأجور ولمشاريع قيد التنفيذ نحو 62 مليار ليرة، إضافة إلى اتخاذ الحكومة قرار تحويل مبالغ لا تتجاوز 900 مليار ليرة (10 مليون دولار) لإزالة الردم. في المقارنة، فإن الأكلاف المقدّرة لإعادة الإعمار بما فيها تلك الأولية لإزالة الردم وترميم الأضرار البسيطة والمتوسطة والحرجة وإنشاء المباني التي انهارت بالكامل، تتجاوز 10 مليارات دولار.

في الحرب الماضية، لم تتكبّد الحكومة أكلافًا لتسديد بدلات إيواء لمن تهدّمت منازلهم، ولا أكلاف الأضرار البسيطة والمتوسطة، لكنها عمدت في مرحلة ما أثناء نقاشات موازنة 2026 إلى تخصيص مبلغ 89 مليون دولار لتغطية ما سُمّي «الأضرار الإنشائية». لكن يتوقع الآن وسط الانقسام السائد بين التيارات السياسية اللبنانية، ومن بينها حزب الله والأحزاب التي سعت إلى نزع سلاحه واتخذت قرار حصرية السلاح واعتبار حزب الله خارج عن القانون، أن يعمد المتضرّرون إلى مطالبة الحكومة بانخراطها في مسألة التعويض عن الأضرار والإيواء. وهذا إن حصل، هو ملف يرتّب أعباء كبيرة على عاتق الخزينة إضافة إلى الأعباء التي تثقل كاهلها منذ الانهيار الكبير في عام 2019.

هذا ويترتب على الخزينة العامة أعباء لم تُدرج في الخزينة مثل الكلفة الناتجة من إعادة هيكلة الدين العام بالعملة الأجنبية (سندات اليورو بوندز) الذي توقفت الدولة عن سداده اعتبارًا من آذار/مارس 2020، وقد استحق منه أكثر

40 مليار دولار حتى مطلع عام 2026. ووفق بعض التقديرات لدى مؤسسات مالية معروفة، فإن أقصى ما يمكن توقعه من الدولة أن تسدّد 30 في المئة من قيمة هذا الدين، ما يعني أنه يترتب عليها أعباء بقيمة 15 مليار دولار أو ما يساوي 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر لعام 2026 من البنك الدولي قبل الحرب، بنحو 33 مليار دولار.

كذلك يترتب على الخزينة نحو 1.6 مليار دولار من الفواتير المستحقّة للعراق ثمنًا لشحنات الفيول التي أرسلها إلى مؤسسة كهرباء لبنان في الفترة ما بين 2024 و2025. ويترتب على الخزينة أن تعيد رسملة نحو مليار دولار من حقوق السحب الخاصة (SDR) من أجل توفير أعباء مالية تقدّر قيمتها بنحو 40 مليون دولار تترتب على الخزينة ما دام رصيد حقوق السحب سلبيًّا.

لكن، من أبرز النفقات التي تواجهها الحكومة هي تلك المتعلقة بالقطاع العام الذي يطالب بتحسين أجوره التي لا تساوي ثلث ما كانت عليه قبل الانهيار في عام 2019. وتحت ضغط التظاهرات، أقرّت الحكومة للقطاع العام زيادات مالية ومنحًا إضافية بقيمة إجمالية تبلغ 69,810 مليارات ليرة، أي ما يعادل 780 مليون دولار. وأتى هذا القرار بعد تغطيته من خلال زيادة رسم الاستهلاك الداخلي على مادة البنزين بقيمة 3.5 دولارات على الصفيحة الواحدة، وهو أمر كان يتوقع أن يجمع نحو 450 مليون دولار، لكن منذ إقرار الضريبة على البنزين في 16 شباط/فبراير 2026 حتى 17 آذار/مارس، زاد سعر صفيحة البنزين بقيمة 9.6 دولارات بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية، وهذه زيادة هائلة لها تبعات تضخمية واسعة ستنعكس على جميع الأسعار بما فيها مشتريات المالية العامة وتقديماتها.

لا ينحصر الأمر في ذلك، بل ثمّة مجموعة من البنود التي سجّلتها وزارة المالية على نفسها من دون أن ترصد لها أي مبلغ مالي في موازنة عام 2026، وهي بنود تبقى على عاتق الخزينة، من أبرزها مبلغ 2.2 مليار دولار لتسديد مستحقات الديون

من قروض ميسّرة وغيرها من الاشتراكات في المؤسسات الدولية، إضافة إلى ما يجب على الخزينة لجهة تنفيذ قانون النقد والتسليف، لا سيما المادة 113 التي تفرض عليها إعادة رسملة مصرف لبنان الذي وقع نتيجة الانهيار المالي في عام 2019 في خسائر ضخمة لا يمكن تقديرها بشكل واضح لأن العمل جارٍ على تحديد نسبة الشطب منها. في المجمل هذه الخسائر تتجاوز 50 مليار دولار، وقد تصل إلى 30 مليار دولار إذا تمكنت الحكومة من إعداد قانون يتيح لها شطب مبالغ كبيرة. ومن المتوقع أن تكون كلفة إعادة الرسملة لمصرف لبنان بما بين 500 مليون دولار

و600 مليون سنويًّا، ستدفع في شكل فوائد مستحقة سنويًّا لسندات دائمة.

الإنفاق بالاستدانة

على الرغم من سياسة التشّدد في الإنفاق المطبّقة منذ مطلع عام 2024، فإن الحكومة اللبنانية أفسحت في المجال أمام إنفاق موازٍ من دون تسجيله في الموازنة. فقد اقترضت الحكومة اللبنانية من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي مبالغ لمشاريع مختلفة بقيمة 964.8 مليون دولار، وهي: قرض بقيمة 250 مليون دولار لإعادة الإعمار مضافًا إليه 7 ملايين دولار تمويلًا فرنسيًّا، وقرض بقيمة 200 مليون دولار للتحوّل الزراعي، وقرض بقيمة 250 مليون دولار للطاقة المتجدّدة، وقرض لقطاع المياه بقيمة 257.8 مليون دولار.

بعض هذه القروض بدأ الإنفاق منه، وبعضها الآخر لم يبدأ. وهذا الأمر يعدّ سيفًا ذا حدّين. فمن جهة يترتب على الدولة أن تغطّي حاجات الاستجابة السريعة للنزوح وتقديم الدعم النقدي للأسر النازحة والدعم المعيشي في توزيع وجبات غذاء وتجهيزات شخصية ومنزلية، إلا أن الحاجة ستصبح أكثر إلحاحًا في الفترة المقبلة، لا سيما بعد نهاية الأعمال الحربية من أجل إعادة النازحين إلى مدنهم وقراهم، بمعنى أن كل إنفاق يعدّ ضروريًّا اليوم، ولو بالاقتراض، سيكون مقابله ضرورات مضاعفة بعدد من المرّات في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

وهذا الإنفاق الذي لا يظهر في دفاتر الحكومة والموازنات العامة، هو دين يفترض بلبنان أن يسجّله ويردّه في شكل أقساط. ومهما كانت هذه الأقساط صغيرة أو طويلة الأمد، فإنها ستبقى تُحتسب ضمن استراتيجية استدامة الدين التي يفرضها صندوق النقد الدولي قبل منح موافقته على برنامج تمويلي لأي بلد. لذا، فإن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي، مهما حاولت الحكومة إخفاءه الآن، سيظهر لاحقًا ربما بعدما تتضخّم نسبة الدين، ما يترك قدرات المالية العامة في حالة أصعب مما هي عليه الآن.

ثمّة مشكلة إضافية في هذا المجال، لأن الحكومة تتكل على هذا النوع من القروض لتعزيز النمو. وهذا ما أوردته فذلكة الموازنة العامة لعام 2026 التي رفعها وزير المالية إلى الحكومة. وقد ورد في هذه الفذلكة: «إن تحقيق نسب نموّ مستدامة يتطلب توفّر أجواء أمنية وسياسية مستقرّة، على أمل أن يسهم ترسيخ الاستقرار والأمن في تعزيز معدلات النموّ المقدر بـ3.5 في المئة لعام 2026، مقرونًا بضخّ التمويل الخارجي المرتبط بمشاريع البنك الدولي في مجال إعادة الإعمار والتنمية، والهبات، المرتقبة من الاتحاد الأوروبي لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي…». هكذا يظهر أن اتكال الحكومة هو على الاستدانة لتعزيز النموّ من دون أي اعتبار لمسألة الدين وأثره على الموازنة والاقتصاد والمجتمع في إطار متوسط أو بعيد الأمد.

العجز بدلًا من الفائض

من اللافت أن يترافق الاتكال على الاستدانة لتعزيز النموّ، مع طموح وسعي لتحقيق فائض أوّلي بنسبة 2 في المئة من الناتج المقدّر لعام 2026. يوازي ذلك مبلغ 53,700 مليار ليرة أو 600 مليون دولار، أي 9.9 في المئة من مجمل قيمة موازنة 2026. ولكي يتحقّق هذا الفائض، يجب أن يسجّل تحسّنًا في الإيرادات التي أعيد ربطها بسعر صرف الليرة المستقرّ وسطيًّا على 89,500 ليرة لكل دولار. ما معناه، أن الرسوم المتأتية من المبادلات الدولية، الرسوم الجمركية، الرسوم الداخلية على السلع، وضريبة القيمة المضافة، ستشكّل المبلغ الأكبر من هذه الضريبة. وبالفعل، فإن الموازنة تقدّر أن:

• 34 في المئة من مجمل الإيرادات مصدرها ضريبة القيمة المضافة التي سجّلت ارتفاعًا بنسبة 54.5 في المئة مقارنة بتقديرات موازنة 2025.

• 13.7 في المئة من مجمل الإيرادات مصدرها الرسوم الجمركية التي زادت بنسبة 100 في المئة مقارنة بتقديرات موازنة 2025.

• 13 في المئة من مجمل الإيرادات مصدرها الرسوم الداخلية على السلع وهي زادت بنسبة 90 في المئة عن موازنة 2025.

• 10.7 في المئة من مجمل الإيرادات مصدرها الإيرادات على ضرائب الدخل والأرباح ورؤوس الأموال التي زادت بنسبة 63.5 في المئة مقارنة بتقديرات موازنة 2025.

هذا يعني أن الاقتصاد مثقل بالأعباء التي زادت بنسبة كبيرة. لذلك، فإلى جانب صعوبة تحقّق هذه التقديرات في ظل تداعيات الحرب، فليس ممكنًا تحقيق الفائض الأولي المنشود. صحيح أن المالية العامة حقّقت فائضًا كبيرًا في آخر سنتين، بلغ 57,668 مليار ليرة في عام 2024 (645 مليون دولار)، و138,310 مليار ليرة (1.5 مليار دولار) في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 (هذه أحدث الإحصاءات المتوافرة)، إلا أن التدهور الحاصل في الخسائر التي لحقت بالإيرادات والنفقات الإضافية سيجعل تحقيق الفائض أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، بل قد يؤدي إلى المسار المعاكس، أي إلى العجز بدلًا من الفائض.

التعثّر المؤسّسي

يبرز الآن عنصر جديد لم يكن حاضرًا بالحدّة نفسها في حرب عام 2024، وهو يتمثّل في «التعثر المؤسّسي» الذي أصاب الإدارة العامة. فهذه الإدارة عانت في سنوات ما بعد الانهيار المالي والنقدي، ممّا يسمّى «هجرة الأدمغة».

ووفق أرقام مجلس الخدمة المدنية، فإن الشغور في الإدارات الرسمية شمل جميع فئات الوظيفة العامة، لكن الأخطر فيها هو ذلك الشغور الذي حصل في الطبقة القيادية من الفئتين الأولى والثانية. ففي عام 2024، كانت نسبة الشغور الإجمالية في الإدارة العامة 72 في المئة، لكن الحكومة تمكّنت من تغطية بعض الشغور في عام 2025 من خلال بعض التعيينات في مراكز الفئة الأولى، إلا أنها فشلت في تغطية الشغور في مراكز الفئة الثانية التي تعدّ العصب الأساسي لعمل الإدارة العامة، والتي تبلغ نسبة الشغور فيها 80 في المئة. يضاف إلى ذلك، أن الوظيفة العامة ما عاد مرغوبًا فيها ربطًا بتدني قيمة الرواتب والأجور والتقديمات الممنوحة للعاملين فيها. فحتى الآن لا تزال الرواتب تمثّل ثلث ما كانت عليه في عام 2018، وباتت التقديمات متدهورة بدرجة كبيرة. لذلك، فإن التدهور في العمل المؤسسي ينعكس سلبًا على آليات التحصيل وكفاءته. فضلًا عن أن معظم هذه الإدارة العامة تعاني نقصًا في تجهيزات التشغيل وغياب فاضح في المكننة.

قد تكون الحرب سببًا إضافيًّا لهجرة المزيد من الأدمغة والكفاءات التي ما زالت تعمل في الوظيفة العامة. فأثناء الحرب تبرز صعوبات في مواصلة العمل بسبب نزوح الموظفين من منازلهم نحو مناطق تصنّف آمنة. وهذا يعني توقف الدوائر الرسمية عن العمل في المناطق التي تتعرض للهجمات العدائية، إضافة إلى خروج مناطق اقتصادية واسعة من دائرة التحصيل الضريبي، مثل مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت التي تشكّل وزنًا اقتصاديًّا مهمًّا على مستوى الإنتاج والاستهلاك في الاقتصاد اللبناني، خصوصًا في القطاعات الزراعية والتجارية والخدمية.

إلى جانب ذلك، ثمّة صعوبة في أداء المهمّات الأساسية للعمل الإداري الذي يشكّل أساس التحصيل الضريبي. ويجب عدم إغفال أن الأنظمة التقنية المرتبطة بعمليات الجباية والتحصيل عانت من أعطال متكرّرة نتيجة غياب الصيانة الدورية، ما أدّى في بعض الحالات إلى توقف أنظمة التحصيل الإلكتروني، وهذا يعني أن الجباية قد تصبح غير ممكنة حتى في الحالات التي يبدي فيها المكلفون استعدادهم لتسديد التزاماتهم الضريبية.

ولا يقتصر أثر التعثّر المؤسّسي على فترة الحرب نفسها، بل يمتد إلى المرحلة التي تليها مع قيام الحكومة بإعفاءات من الضريبة أو بتمديد مهل التسديد أو بتعليق مهل التسديد، وهو ما حصل بالفعل إثر الحرب الماضية.

خلاصة: عودة العجز المزدوج

جاءت الموازنة العامة لعام 2026 مبنية من دون أي اعتبار لحالات الطوارئ والقوّة القاهرة والصدمات الكبيرة. هذا الأمر نسف كل البنيان السابق ووضع أرقام الإيرادات والنفقات على مسار معاكس تمامًا. فإذا تحوّل الفائض المتوقع إلى عجز، وبدأت أرقام كبيرة تظهر عن الأضرار المباشرة للحرب والخسائر الاقتصادية، حيث إن مجموعهما كان مقدرًا في الحرب الماضية بنحو 14 مليار دولار، فإن مآلات الحرب الحالية ونتائجها ستصبح صادمة ومأسوية أكثر، لكنها ستظهر من خلال عودة ظاهرة «العجز المزدوج». وهذا ستكون له انعكاسات كبيرة لأنها ستعيد إلى الأذهان الصورة النمطية عن اقتصاد لبنان الذي ظلّ واقعًا في أزمة العجز المزدوج (عجز الحساب الجاري، وعجز المالية العامة) سنوات طويلة انتهت بانهيار هائل في عام 2019. حاليًّا، وبحسب معطيات البنك الدولي، فإن العجز في الحساب الجاري متواصل ولا يزال يمثّل مشكلة كبيرة على الرغم من الخفض النسبي اللاحق به. وقد بلغ هذا العجز ذروته في عام 2022، مسجلًا 34.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه تراجع إلى 15.8 في المئة في نهاية عام 2025، ويقدّر أن يبلغ 16.1 في المئة في نهاية عام 2026 (حسابات ما قبل الحرب).

يمكن توقع أن يكون استقرار سعر الصرف مهددًا. فهو في الأساس استقرار هشّ ونسبي مبني على آلية التحصيل الضريبي التي تدفع المكلّفين إلى التخلّي عن إيراداتهم بالدولار (التبادلات التجارية مدولرة بشكل شبه كامل) لتسديد الضريبة بالليرة التي يضخّها حصرًا المصرف المركزي. ويمكن توقع تزايد الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالحرب بما يفوق طاقة المالية العاملة على تلبية الاحتياجات، أو بما يفوق الحواجز التي وضعتها حدودًا للسيطرة على الوضع المالي والنقدي. ولا يمكن توقع الكثير بالنسبة إلى «الإصلاحات المرتقبة»، خصوصًا أن التركيز سيكون منصبًّا فور انتهاء الأعمال الحربية على احتواء تداعيات النزوح والإيواء والإعمار، علمًا أن وتيرة إقرار خطوات إصلاحية كانت بطيئة جدًّا.

هذا كلّه يرتبط بأن تبقى الصدمات في حدود المتوقّع، إذ يمكن أن تزيد حدّة الحرب لتصبح الصدمة أقسى وأكثر عمقًا وتصيب سلاسل التوريد لجهة صعوبة توفّر الغذاء والطاقة وارتفاع أسعارهما.

المراجع

1-العربية

فذلكة مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2026. 21/10/2025.

2-الأجنبية

International Monetary Fund (IMF). Article IV Consultation Reports – Lebanon. at: https://acr.ps/hBy2T5s

Republic of Lebanon. Ministry of Finance. Monthly Fiscal Reports and Budget Execution Data (2024-2025). at:

https://acr.ps/hBy2SQ0

__________. Budget Law 2026 and Budget Statement (Fiscal Strategy and Outlook). at: https://acr.ps/hBy2Sbf

World Bank. Lebanon Economic Monitor (LEM). various issues (2024-2026). at:

عن mcg

شاهد أيضاً

تحويلات المغتربين “طوق نجاة” وسط انهيار متصاعد

نقر الصورة لتكبيرها – تراجع التحويلات بنسبة 10 و15% خلال فترة الحرب – تشكل التحويلات …