نقر الصورة لتكبيرها
بقلم: نورا علي المرعبي
في بلدٍ تتآكل فيه الرواتب أسرع من قدرتها على الوصول إلى نهاية الشهر، قررت الحكومة أن تمنح موظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية، وأن ترفع في المقابل ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، إلى جانب زيادة الضريبة على البنزين. هكذا، في معادلة مكشوفة: زيادة هنا… وضريبة هناك. دعمٌ بيد، واستردادٌ باليد الأخرى. والسؤال الذي يختنق في صدور اللبنانيين: من سيدفع الكلفة الفعلية؟
لا أحد ينكر أن موظفي القطاع العام تعرّضوا لانهيار قاسٍ في مداخيلهم. رواتبهم تحولت إلى أرقام بلا قيمة، وإضراباتهم كانت صرخة بوجه واقع مهين. لكن معالجة الوجع لا تكون بإعادة تدويره بين فئات المجتمع. حين تُموَّل الزيادات عبر ضرائب على الاستهلاك، فإن العبء لا يبقى داخل أسوار الإدارة العامة، بل ينتشر في كل بيت.
زيادة 1% على ضريبة القيمة المضافة ليست رقمًا عابرًا. إنها ضريبة تمسّ الخبز والدواء والملبس وكل ما يمرّ على صندوق المحاسبة. والـTVA بطبيعتها لا تميّز بين غني وفقير؛ الجميع يدفع النسبة نفسها، لكن الفقير يدفعها من لقمة يومه. أما رفع الضريبة على البنزين، فهو شرارة تمتد إلى سلسلة طويلة من الزيادات: نقل، شحن، مواد غذائية، خدمات. كل شيء في هذا البلد يتحرك على وقع صفيحة البنزين، وكل ارتفاع فيها يتحول موجة غلاء جديدة تضرب القدرة الشرائية المنهكة أصلًا.
وهنا يقف القطاع الخاص في قلب العاصفة. لا زيادات موازية، ولا دعم مباشر، بل كلفة معيشة ترتفع وضغوط تتضاعف. الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقاتل للبقاء ستجد نفسها أمام ارتفاع في المصاريف التشغيلية، وتراجع في القدرة الاستهلاكية للناس. والموظف في هذا القطاع، الذي لا يملك ضمانة الاستقرار الوظيفي، سيدفع الثمن مرتين: مرة عند صندوق السوبرماركت، ومرة في خوفه الدائم من تقليص راتب أو خسارة وظيفة.
المشكلة ليست في مبدأ تحسين رواتب القطاع العام، بل في فلسفة التمويل. لماذا تبقى الضرائب غير المباشرة الخيار الأسهل؟ لماذا لا نرى اندفاعة حقيقية نحو ضرائب تصاعدية تطال الأرباح الكبرى والثروات والاحتكارات؟ لماذا يبقى التهرب الضريبي الكبير ملفًا مؤجلًا، فيما يُحصَّل كل قرش من جيب المستهلك فورًا وبلا نقاش؟
بهذا الشكل، تتحول الدولة إلى جهة تعيد توزيع الضيق بدل أن تعيد توزيع الثروة. تعطي فئةً بعضًا من حقها، لكنها تسترجع التمويل من المجتمع بأكمله، في وقت لم تتعافَ فيه الطبقة الوسطى بعد من سقوطها الحر، ولم يلتقط الفقراء أنفاسهم من صدمات متتالية.
القرار ليس تفصيلًا ماليًا. إنه رسالة سياسية واجتماعية واضحة: ما زلنا ندير الأزمة بالأدوات نفسها. ترقيع فوق ترقيع. زيادات مؤقتة تُموَّل بضرائب تطال الجميع. من دون خطة اقتصادية شاملة تعيد الاعتبار للإنتاج، من دون إصلاح إداري جدي يقلّص الهدر، من دون عدالة ضريبية تعيد التوازن بين من يملك ومن لا يملك.
اللبناني اليوم لا يرفض أن يساهم في إنقاذ دولته. لكنه يرفض أن يكون الممول الدائم لفشلها. يريد نظامًا ضريبيًا يحمي الدخل المحدود بدل أن يستنزفه، ويريد شفافية تبرر كل ليرة تُجبى باسمه.
ستة رواتب إضافية قد تخفف غضبًا مرحليًا، لكن 1% على الاستهلاك قد تشعل نارًا بطيئة في كل منزل. وبين الزيادة والضريبة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تبحث عن توازنها على حسابه.
لبنان لا يحتاج إلى جرعات إسعافية تُموَّل من جيوب الناس، بل إلى صدمة إصلاح حقيقية تعيد تعريف معنى الدولة. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى السؤال موجعًا وصريحًا: هل نبني مستقبلًا عادلًا… أم نشتري وقتًا إضافيًا من أعمار اللبنانيين؟
Al Montasher News
