نقر الصورة لتكبيرها
بقلم: نورا علي المرعبي
almontasher : أنا ابنة طرابلس. أكتب لأن الخوف صار جزءًا من حياتنا اليومية، ولأن الصمت لم يعد فضيلة. في مدينتي، لم يعد البيت ملاذًا آمنًا، بل احتمالًا مفتوحًا للخطر، نعرفه، ونتعايش معه، وكأن العيش تحت التهديد أصبح أمرًا عاديًا.
في طرابلس، لا تنهار المباني فجأة. الانهيار يسبقه وقت طويل من التشققات، والرطوبة، وتسرب المياه، ومن تحذيرات يعرفها الجميع. حين يسقط المبنى، لا يكون ذلك مفاجئًا، بل نتيجة متوقعة لمسار طويل من الإهمال المتراكم، تأجّل التعامل معه عامًا بعد عام.
هذه المدينة ليست فقيرة فقط، بل مُنهكة ومثقلة بتراكم الأزمات. أحياؤها القديمة تحوّلت إلى بؤر خطر لأن المعالجة الجدية تأخّرت طويلًا. سكان هذه البيوت لا يختارون المخاطرة، بل يُجبرون عليها. لا قدرة على الترميم، ولا بدائل سكنية، ولا حلول سريعة تحميهم من الأسوأ.
ومن الإنصاف القول إن المجلس البلدي الحالي ليس غائبًا عن هذا الواقع، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية أزمة عمرانية عمرها عقود. المجلس، ضمن صلاحيات محدودة وإمكانات مالية شبه معدومة، قام بما أمكنه القيام به: رفع تقارير، وجّه إنذارات، وتابع ملفات مع الجهات المعنية. لكن الحقيقة المُرّة أن ما تملكه البلدية من أدوات لا يتناسب مع حجم الخطر القائم، ولا مع عمق الأزمة المتراكمة.
المشكلة تتجاوز مؤسسة واحدة أو مرحلة واحدة. هناك من يعرف حجم الخطر على مستوى أوسع، ومن يملك القرار والقدرة والتمويل، ومع ذلك بقيت المعالجات بطيئة، ومجزّأة، وغالبًا بعد فوات الأوان. الإهمال هنا ليس مجهولًا، بل موزّع على سنوات طويلة من التأجيل والتجاهل.
المؤلم أن طرابلس لا تُستحضر إلا بعد الانهيار. تعاطف، ووعود، وزيارات، ثم يعود الصمت. البيوت المتصدعة تبقى على حالها، والخطر مستمر، وكأن المطلوب هو إدارة الكارثة لا منعها. هذا الأسلوب لا ينقذ مدينة، ولا يحمي أهلها.
طرابلس مدينة عريقة، وأبنيتها القديمة ليست عبئًا، بل ذاكرة حيّة. لكن الذاكرة حين تُترك بلا حماية، تتحوّل إلى خطر على من يسكنها. الترميم ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية، وحق أساسي في السكن الآمن.
لا أكتب هذا المقال لأجل المواجهة، بل لأجل التذكير. التذكير بأن الإهمال العام هو المشكلة الحقيقية، وأن نتائجه باتت ملموسة ومؤلمة. وبأن الصمت أمام الخطر، مهما كان هادئًا، لم يعد مقبولًا.
أنا ابنة طرابلس، وأعرف أن مدينتي لا تطلب المستحيل. تطلب فقط أن لا تُترك وحيدة، وأن تُعالج أزماتها بجدّية تتناسب مع حجمها، لا بوعود مؤجّلة. فكل مبنى ينهار اليوم هو إنذار جديد، وسؤال مفتوح في وجه كل من يملك القدرة على الفعل ولم يفعل بما يكفي.
طرابلس لا تحتاج إلى رثاء، بل إلى فعل. ولا تحتاج إلى بطولات فردية، بل إلى قرار جماعي ينهي زمن الإهمال، ويمنح هذه المدينة حقها في الأمان. <تم تعديل هذه الرسالة
Al Montasher News
