واستُهلّت الأمسية بكلمة ترحيبية ألقتها رئيسة جمعية مسرح المدينة للثقافة والفنون، نضال الأشقر، قدّمت فيها الدكتور مهنا بشهادة وجدانية، جاء فيها: «عندما أسأل نفسي، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أعرف، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أستفهِم، أسأل كامل مهنا».
ووصفت الأشقر مهنا بأنه «البوصلة التي لا تنحرف عن اتجاهها ومعتقداتها، والحقيقة التي لا تتجزّأ، والصديق الذي لا يساوم على مكانته»، مشيرةً إلى تعدّد أدواره كطبيب وناشط جامع، ومنسّق ومدبّر وحكيم، وإلى مسيرته الطويلة في الدفاع عن الإنسان والكرامة.
وفي محاضرته، قدّم الدكتور مهنا مقاربة فكرية وإنسانية شاملة لمفهوم الكرامة، بوصفها فعلاً جماعياً وممارسة يومية، لا مجرّد شعار، مؤكداً أن بناء الإنسان يشكّل المدخل الأساسي لبناء الوطن، وأن العمل الإنساني الحقيقي يقوم على الشراكة مع المجتمعات المحلية، واحترام كرامة الإنسان، والعمل معه لا باسمه.
وتطرّق إلى دور الحركات الاجتماعية والمؤسسات المدنية في الدفاع عن الحقوق الأساسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ المساواة، مشدداً على الترابط العضوي بين الكرامة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، وحماية البيئة.
كما أكّد أن السياسة، بمعناها الواسع، هي مسؤولية أخلاقية تجاه الناس، وأن التحدّي الحقيقي يكمن في تحويل المواقف والقيم إلى ممارسات ملموسة على الأرض.
وتوجّه مهنا بالشكر والتقدير إلى الأشقر، واصفاً إياها بأنها «تجربة نضال طويلة أثبتت وتثبت أن الثقافة قادرة على حماية الحريات حين تتخلّى عنها السياسة»، ومؤكداً أن الثقافة، حين تُمارَس بصدق، تصبح فعلاً سياسياً أخلاقياً، لا زينة ولا ترفاً.
وتابع مهنا: «أن نكون صوتاً فاعلاً في المجتمع، هذا هو المدخل الحقيقي لكي نتمكّن يوماً ما، في هذا البلد وفي البلدان العربية، من جعل الإنسان هدفاً ووسيلة في كل أمر. لا أحد منّا اختار دينه، أو اسمه، أو جنسيته؛ هذه أمور ورثناها. أمّا ما يمكننا أن نقوم به معاً، فهو التحدّي الحقيقي في مجتمع لا يزال قائماً على العصبيّات. لا يمكن أن نتطوّر إذا اكتفينا بالشعارات».
وأضاف: «خمسة عقود ونصف من العمل الوطني والإنساني علّمتنا أن السؤال الجوهري هو: كيف نتعاطى بعقلانية؟ العقلانية ليست شعاراً نرفعه، بل ممارسة يومية. لو تعاملنا بعقلانية، لكان لبنان نموذجاً بامتياز».
وأشار مهنا إلى أن كل شيء سياسي، ليس بمعنى التحزّب، بل بمعنى أن الإنسان كائن سياسي بطبيعته، حتى حين ينسحب أو يتهرّب أو يترك الواقع كما هو، مميّزاً بين سياسة جيّدة تنطلق من مصالح الناس وخدمتهم، وسياسة سيّئة تُنتج الانقسام وتستثمر في الخلاف.
وتحدّث عن تجربته بعد الغزو الإسرائيلي، وتوسّع عمله من المخيّمات الفلسطينية إلى مختلف المناطق اللبنانية، حيث تبلورت القناعة بأن العمل الإنساني ليس موسماً ولا شعاراً، بل التزام طويل، وأن لا قيمة للكلام إذا لم يرافقه فعل، ولا معنى للانتصارات الخطابية إذا كنّا نعيش الهزيمة في الواقع.
وشدّد مهنا على أن العمل الإنساني يبدأ من الميدان، ومن العيادة، ومن المستشفى، ومن المناطق الشعبية والمخيّمات، وأن الثقة مع الناس تُبنى بالحضور والاستمرارية واحترام كرامتهم، لا بالخطابات.
وفي هذا السياق، انتقد مهنا «تجّار العمل الإنساني» الذين يتعاملون مع التضامن كسلعة، مؤكداً أن التضامن الحقيقي يبدأ من احترام الناس، وبيوتهم، وخياراتهم، وخصوصياتهم، وألمهم، ومن الاعتراف بأن العمل الإنساني ليس تفضّلاً على أحد، بل شراكة مع المجتمع وتنمية معه، لا باسمه.
وشدّد على أنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية من دون مساواة فعلية، ولا عن مشاركة من دون تمكين حقيقي للمرأة، ولا عن عدالة من دون معالجة التفاوت الحاد في توزيع الثروة، لافتاً إلى أن حماية البيئة جزء لا يتجزّأ من العدالة الاجتماعية، لأن الإنسان لا يعيش خارج الطبيعة، ولا تكتمل العدالة إذا دُمّرت شروط الحياة نفسها.
وفي الختام، قال مهنا: «نحن نحب الناس الذين نعمل معهم، ونبدأ من هذا الحب، ثم نبني الثقة، ثم نُنجز. هكذا يتحوّل التضامن المجتمعي من ردّة فعل عاطفية إلى ثقافة مواطنة، ومن مبادرة ظرفية إلى مشروع مستدام».
وقد شكّلت هذه المحاضرة، التي حضرها حشد من الشخصيات الفكرية والثقافية والاجتماعية والدبلوماسية، إلى جانب عدد من العاملين والمتطوّعين في مؤسسة عامل من مختلف المناطق اللبنانية، مناسبة فكرية ونقاشية لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها مؤسسة عامل، وللتأكيد على دور الثقافة، والعمل المدني، والشراكة المجتمعية في مواجهة التحديات المتفاقمة التي يمرّ بها لبنان، وفي الدفاع عن الحق في الحياة، والحرية، والكرامة الإنسانية.
وتأسّست مؤسسة عامل الدولية في لبنان عام 1979، في خضمّ الأزمات والحروب، كمبادرة إنسانية وطنية غير طائفية، تُعنى بتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والتنموية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية