المحامي عاطف حسن منصور
almontasher : في الدول التي تحترم مفهوم الإدارة الحديثة لا ينظر إلى الهاتف الخليوي في مكان العمل كمسألة أخلاقية أو سلوكية فحسب، بل كجزء من منظومة الإنضباط الوظيفي الخاضعة للمراقبة والمساءلة. أما في لبنان ولا سيما في القطاعين العام والخاص، فقد تحول إستخدام الهاتف الخليوي لدى بعض الموظفين إلى عنوان صارخ للتسيب وتأثير سلبي على أدائه الوظيفي في ظل غياب شبه كامل للرقابة وضعف تطبيق القوانين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وغيرها، وإطمئنان البعض منهم إلى غياب المساءلة من قبل المرؤوسين وإنعدام المحاسبة الفعلية مهما بلغ مستوى الإهمال. وبات مشهد الموظف المنشغل بهاتفه أثناء الدوام أمراً مألوفاً لا يثير إستغراباً ولا مساءلة رغم أن هذا الواقع يؤدي إلى تراجع في الإنضباط الإداري وتدني مستوى الإنتاجية، وكأن وقت العمل لم يعد إلتزاماً قانونياً بل هامشاً شخصياً مفتوحاً.
هذا الواقع لا يشبه ما هو معمول به في الدول المتقدمة حيث يخضع الموظف العام والخاص لتقييم دوري ومراقبة إنتاجية ونظم تأديبية فاعلة تجعل أي إخلال بواجبات الوظيفة مسألة جدية ذات تبعات مباشرة. من هنا نلاحظ أن مستوى الأداء الوظيفي والإنتاجية في الدول المتقدمة يفوق بكثير ما هو قائم لدينا نتيجة الإلتزام الصارم بالإنضباط والمسؤولية.
المفارقة أن القوانين اللبنانية نفسها لا تعاني نقصاً في النصوص بل في التطبيق. فنظام الموظفين الصادر بالمرسوم الإشتراعي رقم 112/1959 وملحقاته يفرض بوضوح في المادة 15 على الموظف واجب الإلتزام بالدوام وإنجاز العمل الموكول إليه بدقة وأمانة، وإحترام القوانين والأنظمة والتعليمات الإدارية تحت طائلة عقوبات تأديبية تبدأ بالتنبيه والإنذار، ولا تنتهي بالعزل عند الإخلال بالواجبات الوظيفية. كذلك في القطاع الخاص أجازت المادة 74 من قانون العمل اللبناني إنهاء عقد الأجير دون تعويض عند إرتكابه خطأ جسيماً. ويعد من قبيل ذلك الإهمال المتكرر أو الإنشغال بأمور شخصية أثناء الدوام بما يشكل إخلالاً بواجبات العمل ويؤثر سلباً في حسن سيره، رغم ذلك بقيت النصوص في كثير من الأحيان حبراً على ورق.
أما في القطاع الخاص، فإن قانون العمل اللبناني لم يكن أكثر تساهلاً، إذ أجاز في المادة الرابعة والسبعين إنهاء عقد العمل دون تعويض عند إرتكاب الأجير خطأً جسيماً، ويعد الإهمال المتكرر والتقاعس المتعمد عن أداء العمل من أبرز صور هذا الخطأ. ومع ذلك، فإن ضعف المتابعة والخوف من النزاعات وغياب ثقافة المحاسبة سمح بتمدد سلوكيات تلهي وإستهتار ولو بدرجات متفاوتة.
إن المشكلة في لبنان ليست في الهاتف الخليوي بحد ذاته، بل في الإدارة التي لا تراقب، وفي السلطة التي لا تحاسب، وفي ثقافة وظيفية ترسخ لدى بعض الموظفين قناعة مفادها أن الحقوق تمارس خارج القانون، وأن المطالب المعيشية تبرر الإهمال والتقصير، رغم أن الحقوق مهما كانت مشروعة لا تسقط واجبات الوظيفة ولا تبيح تعطيل المرفق العام أو الإساءة إلى الخدمة العامة.
صفوة القول، إن أي إصلاح إداري جدي في لبنان يبدأ من إعادة الإعتبار لمبدأ المساءلة وتفعيل النصوص القائمة وربط الأجر بالإنتاج والحق بالواجب والحرية بالمسؤولية. فالدولة التي لا تطبق قوانينها على موظفيها تفقد هيبتها وتفتح الباب لفوضى صامتة يدفع ثمنها المواطن أولاً وأخيراً.
أُرسلت من الـ iPhone
Al Montasher News