خالد الداعوق:كيف تهدم الدولة ما تبقّى من الثقة بلبنان؟

القنصل خالد الداعوق

   شمةخىفشساثق : أحالت الحكومة اللبنانية إلى مجلس النواب مشروع قانون يُفترض به معالجة مسألة إعادة أموال المودعين المحتجزة في المصارف اللبنانية، في ظل واحدة من أعمق الأزمات المالية التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث. غير أن هذا المشروع، بدل أن يؤسس لمسار قانوني عادل وقابل للحياة، يتضمّن بنوداً خطيرة تمسّ جوهر مبدأ الشرعية القانونية وتُقوّض ما تبقّى من الثقة بالدولة وبنظامها المصرفي.
أخطر هذه البنود هو إلزام كل من قام، خلال فترة محددة من الأزمة، بتحويل أموال إلى خارج لبنان بصورة قانونية ومشروعة، بإعادة هذه التحويلات، تحت طائلة غرامات مالية في حال عدم الامتثال. وهذه التحويلات جرت وفق القوانين النافذة آنذاك، وبعلم المصارف وتحت إشراف السلطات النقدية، ولم تكن موضع أي منع أو تجريم.
إن فرض إعادة تحويلات مالية تمّت بصورة قانونية، ثم معاقبة من قام بها لاحقاً يشكّل تطبيقاً صريحاً لقانون بأثر رجعي، وهو مبدأ مرفوض في أبسط النظم القانونية. فالدولة هنا لا تُنظّم الأزمة، بل تغيّر قواعد اللعبة في منتصفها، وتحاول تحميل فئة محددة كلفة انهيار لم تكن هي المتسببة فيه.
هذا المسار لا يُنقذ النظام المالي، بل ينسف فكرة الدولة نفسها، إذ يصبح المواطن عاجزاً عن توقّع النتائج القانونية لأفعاله، حتى عندما يلتزم بالقانون.
يقوم المشروع عملياً على منطق واضح: تحميل المودعين الكبار، وكل من حوّل أموالاً إلى الخارج بصورة قانونية، كلفة تعويض المودعين الصغار، في حين تُخرِج الدولة والمصارف نفسيهما من دائرة المسؤولية.
بذلك:
• يُطالَب المودع الذي تصرّف ضمن القانون بالدفع اليوم.
• تُحصَّن المصارف التي استعملت أموال المودعين وراكمت الأرباح.
• تقف الدولة، صاحبة السياسات المالية والنقدية التي قادت إلى الانهيار، خارج المحاسبة.
ويجري تحويل النزاع من مواجهة عادلة بين الدولة والمصارف من جهة، والمودعين من جهة أخرى، إلى صراع مصطنع بين مودعين كبار ومودعين صغار.
ما تقترحه الحكومة هو تغيير قواعد اللعبة في منتصفها فمن وثق بالدولة وبمصارفها والتزم بالقانون يُعاقَب اليوم، بينما يُكافَأ الفشل وسوء الإدارة بإعفاء شبه كامل من المسؤولية.
الرسالة إلى الداخل والخارج خطيرة وواضحة: لا استقرار قانونياً في لبنان، ولا حماية لحق مكتسب، والقوانين قابلة للِّيّ كلما عجزت السلطة عن تحمّل مسؤولياتها.
لا يمكن لأي نظام مصرفي أن يُعاد بناؤه بالقسر والغرامات. فالثقة لا تُستعاد إلّا عبر احترام القانون، وتحديد المسؤوليات، وتوزيع الخسائر بعدالة. أمّا تشريع يعاقب الأفعال القانونية بأثر رجعي، فلن ينتج سوى عزوف المستثمرين، وهروب الرساميل، وترسيخ صورة لبنان كدولة غير قابلة للتنبؤ.
هذا المشروع لا يُنقذ أموال المودعين، بل:
• يُقسّمهم.
• يُحمّل بعضهم كلفة انهيار لم يصنعوه.
• ويُحصّن الدولة والمصارف من المحاسبة.
وبذلك، لا يؤسس لحل، بل يُضيف ظلماً جديداً إلى سجل طويل من الإخفاقات.
إن أي نهوضا اقتصاديا حقيقيا لا يمكن أن يبدأ من تشريع يهدم الثقة ويشرعن الظلم، بل من دولة تحترم قوانينها وتتحمّل مسؤولياتها.

عن mcg

شاهد أيضاً

ماذا في العدد الجديد من مجلة الامن العام

Majallasection@gmail.com   العدد 148/ كانون الثاني 2026 من مجلة “الامن العام”   صدر العدد الثامن والاربعون …