المحامي عاطف منصور : تأجيل الإنتخابات… إقرار بالفشل الدستوري لا إجراء إداري
يناير 7, 2026
32 زيارة
المحامي عاطف حسن منصور
almontasher : إن الكلام عن تأجيل الإنتخابات النيابية تحت أي ذريعة كانت لا يمكن توصيفه إلا بوصفه إقراراً صريحاً بالفشل في إدارة الحكم، لا إجراءً إستثنائياً ولا خياراً إضطرارياً. فالإنتخابات ليست منة من السلطة ولا حقاً معلقاً على ملاءمة هذا الفريق أو ذاك، بل هي إستحقاق دستوري ملزم
وأحد أركان النظام الديمقراطي التي لا تقوم الدولة من دونها.
بيد أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه لماذا التأجيل
وقد جرت الإنتخابات البلدية في ظروف أدق قسوة أمنياً ومالياً ولوجستياً، ومن دون أن ترفع رايات العجز أو تفتعل الحجج. فإذا كانت الدولة قد نجحت في تنظيم إستحقاق بلدي واسع النطاق، فكيف يبرر العجز عن إجراء الإنتخابات النيابية وهي الإستحقاق الأعلى شأناً والأكثر التصاقاً بشرعية السلطة.
إن ما يطرح من تبريرات ظاهرها تقني وباطنها سياسي أو أمني، لا يعدو كونه محاولات مكشوفة لإعادة هندسة الحياة النيابية على قياس أشخاص أو قوى فشلوا في تأمين شروط المنافسة الديمقراطية أو حتى في إدارة البلاد. وهل يعقل أن يعلق مصير شعب كامل وحقه في إختيار ممثليه لأن وضع هذا المرشح أو ذاك ميؤوس منه، أو لأن زعيماً أو تكتلاً يخشى خسارة مقعد أو نفوذ.
بجب الإنتباه أن لبنان يقف اليوم أمام إستحقاقات مصيرية وقاسية ينظر إليها العالم بعين المراقبة والمساءلة، وأي مساس بدورية الإنتخابات أو التلاعب بمواعيدها فهو يوجه رسالة خطيرة مفادها أن الدولة اللبنانية عاجزة عن إدارة شؤونها الدستورية، وأن قراراتها تصاغ وفق حسابات شخصية أو فئوية، لا وفق منطق الدولة والمؤسسات، فضلاً أن الدستور اللبناني واضح لا لبس فيه،
فالسلطة النيابية تستمد شرعيتها من الشعب ولمدة محددة، وأي تمديد أو تأجيل خارج الحالات القصوى المبررة دستورياً وبشروط صارمة، يعد إغتصاباً للسلطة ومخالفة صريحة لمبدأ تداولها. كما أن التشريع الإستثنائي الذي يهدف إلى تأجيل الإنتخابات لا يمكن فصله عن رقابة المجلس الدستوري ولا عن مسؤولية القضاء في صون النظام العام الدستوري ومنع الإنحراف في إستعمال السلطة.
إن المجلس النيابي كنظام داخلي ومؤسسة دستورية ليس مجرد ساحة لتوازنات سياسية، بل هو ملزم بحكم وظيفته بالتصدي لأي محاولة لتقويض جوهر الديمقراطية، كما أن القضاء بما له من دور في حماية الحقوق والحريات مدعو إلى عدم التساهل مع أي إجراء يمس حق الإقتراع باعتباره من الحقوق الدستورية الأساسية التي لا يجوز تعطيلها أو الإلتفاف عليها.
أما أخطر ما في هذا المسار فهو إشاعة مناخ جس النبض عبر تسريبات وتصريحات ملتبسة وإشارات متناقضة، وكأن حق الناس في الإنتخاب قابل للأخذ والرد. وهذا السلوك لا يضعف فقط ثقة المواطن بالدولة، بل يشكل إهانة مباشرة للشعب الذي إعتاد بعض أهل السلطة التعامل معه ككتلة صامتة، تدار حقوقها وتعلق إرادتها وفق مصالحهم.
إن المطلوب اليوم من أركان الحكم في لبنان كل من موقعه، التصدي الحازم لهذه المحاولات بإسم الدولة لا الدويلة، وبإسم الدستور لا التسويات، وبإسم الشرعية لا الأمر الواقع. فالدولة التي تعجز عن إحترام مواعيد إستحقاقاتها الدستورية، تفقد تدريجياً مبرر وجودها وتفتح الباب أمام مزيد من الإنهيار القانوني والمؤسساتي.
صفوة القول، إن الإنتخابات ليست خياراً، بل هي واجب دستوري، وأي تأجيل لها هو سقوط في إختبار الدولة