almontasher : لا يمكن اختزال النقاش الدائر حول الكوتا النسائية في لبنان في كونه مطلبًا حقوقيًا عابرًا أو بندًا تقنيًا يُضاف إلى قانون انتخابي. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ جوهر بنية النظام السياسي اللبناني ومدى قدرته على تمثيل مجتمعه تمثيلًا متوازنًا. فعندما تشكّل النساء أكثر من نصف المجتمع اللبناني، فيما لا تتجاوز نسبتهن في المجالس المنتخبة حدود 10% وفق نتائج الانتخابات البلدية في 29 أيار 2025، فإن الخلل لا يكون في حضور النساء، بل في آليات الوصول إلى القرار وفي قواعد إنتاج السلطة نفسها.
هذه النسبة المتدنية لا تعبّر فقط عن فجوة عددية، بل عن خلل بنيوي متراكم في الثقافة الحزبية، وفي آليات الترشيح، وفي بنية الشبكات المحلية التي تتحكم غالبًا بالانتخابات. في المقابل، تشير الأدبيات المقارنة في علم الاجتماع السياسي إلى أن بلوغ تمثيل نسائي يتراوح بين 30% و40% يشكّل ما يُعرف بـ«الكتلة الحرجة»، أي العتبة التي ينتقل عندها الوجود النسائي من الطابع الرمزي إلى الفعالية التأثيرية. دون هذه العتبة، يبقى الصوت النسائي محصورًا في الإطار الشكلي، ومعها يبدأ التحول الفعلي في أولويات السياسات العامة ونوعية النقاش داخل المجالس المنتخبة.
المشروع المطروح منذ أواخر عام 2023 يقترح تخصيص 30% من المقاعد في المجالس الصغيرة (9 و12 عضوًا)، و50% في المجالس التي تضم 15 عضوًا أو أكثر، ما يعني متوسطًا يقارب 40% من التمثيل النسائي. من حيث المبدأ، يشكّل هذا الطرح انتقالًا من منطق التشجيع الأخلاقي إلى منطق الإلزام القانوني. لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام سؤال حاسم: هل نحن أمام إصلاح مدروس يستند إلى رؤية انتقالية واضحة، أم أمام خطوة قد تبقى في إطار العنوان السياسي إن لم تُدعّم بضوابط تنفيذية دقيقة؟
المسألة المحورية هنا تتعلق بالإطار الزمني. في التجارب الديمقراطية المقارنة، تُعتمد الكوتا بوصفها إجراءً تصحيحيًا مؤقتًا يمتد عادة لدورتين انتخابيتين أو ثلاث، يُعاد بعدها تقييم أثرها وضرورتها. هذا التحديد الزمني ليس تفصيلًا شكليًا، بل شرطًا لضمان عدم تحول الإجراء الاستثنائي إلى بنية دائمة، وفي الوقت نفسه منع تعطيله أو تأجيله بفعل الحسابات السياسية. إن إقرار الكوتا دون تحديد واضح لمدة تطبيقها أو آلية مراجعتها الدورية قد يفرغها من مضمونها، إما بتحويلها إلى نص مؤجل التنفيذ، أو بجعلها قاعدة ثابتة دون تقييم علمي لأثرها.
ثمة أيضًا مخاطر واقعية يجب التعامل معها بجدية. فإذا لم تُرفق الكوتا بإصلاحات موازية داخل الأحزاب السياسية، وببرامج إعداد وتأهيل للمرشحات، فقد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج النخب التقليدية بوجوه مختلفة. كما قد يُستخدم خطاب «التمثيل المفروض» لتقويض شرعية النساء المنتخبات، رغم أن النظام اللبناني نفسه قائم على توازنات وحصص متعددة في بنيته. الفرق الجوهري أن الكوتا النسائية تسعى إلى تصحيح اختلال عددي واضح، لا إلى تكريس امتيازات قائمة.
العقبات أمام إقرار المشروع ليست بسيطة. أي تعديل انتخابي في لبنان يخضع لحسابات دقيقة تتداخل فيها التوازنات الطائفية والسياسية. بعض القوى تتحفظ بدعوى حماية حرية الترشيح، وأخرى تخشى أن يشكّل إقرار الكوتا مدخلًا لمطالب إصلاحية أوسع. ومع ذلك، فإن الإبقاء على تمثيل نسائي عند حدود 10% في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة يضع لبنان أمام معضلة تمثيلية حقيقية لا يمكن تجاهلها طويلًا.
الرهان، إذًا، ليس على عدد المقاعد المخصصة، بل على طبيعة الإصلاح نفسه. فإذا أُقرت الكوتا ضمن إطار زمني محدد، وآلية تقييم واضحة، وربطت ببرامج تمكين سياسي وإداري، يمكن أن تشكّل مدخلًا لإعادة تعريف مفهوم القيادة والشراكة في الحياة العامة. أما إذا أُقرت بلا رؤية تنفيذية، فقد تبقى إجراءً شكليًا لا يمسّ جوهر البنية السياسية.
الكوتا النسائية ليست امتيازًا ممنوحًا، بل أداة تصحيح لخلل قائم. وهي، في جوهرها، امتحان لقدرة الدولة اللبنانية على تطوير نفسها من الداخل، وعلى الانتقال من ديمقراطية تمثيلية ناقصة إلى شراكة سياسية أكثر توازنًا. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد القوانين التي تُسنّ، بل بمدى انعكاسها الفعلي على بنية السلطة وجودة القرار العام.
وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الحقيقي: هل يريد لبنان إصلاحًا يعيد التوازن إلى نظامه السياسي، أم تسوية شكلية تترك الخلل قائمًا تحت عناوين جديدة؟