افتتاحية مجلة الامن العام عدد 151- نيسان 2026

الدولة أبداً ودائماً معاً لبناء ما بعد الحرب

المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير

almontasher  في لحظات التحوّل الكبرى التي تمر بها الاوطان، يصبح الزمن ذاته عاملا ضاغطا يفرض على الشعوب والنخب والمؤسسات اعادة قراءة الواقع بعين مختلفة، والبحث عن نقاط الالتقاء بدل تكريس مساحات التباعد. لبنان اليوم يقف عند مفترق تاريخي بالغ القسوة، ربما هو من اشد المنعطفات خطورة منذ نيل الاستقلال عام 1943، ليس فقط بسبب التحديات الامنية والعسكرية التي يواجهها، بل ايضا بفعل التحديات الداخلية التي تمتحن تماسكه الاجتماعي والسياسي، مما يجعل من خيار الوحدة اللبنانية حاجة وجودية نجحت بقوة بروح لبنانية تكافلية رائعة.

ان التجارب التاريخية، سواء في لبنان او في محيطه الاقليمي او على المستوى الدولي، تؤكد ان المجتمعات التي تنجح في عبور الحروب والنزاعات بأقل الخسائر هي تلك التي تمتلك رصيدا من التضامن الانساني والاجتماعي يسمح لها بتحويل الالم الى طاقة بناء. فالتكافل بين المواطنين، والقدرة على احتضان المتضررين، وتقديم المصلحة اللبنانية على الحسابات الفئوية، تشكل جميعها الركيزة الاساسية لإعادة انتاج الوحدة الداخلية بعد سكوت المدافع ووقف إطلاق النار. من هنا، يصبح التضامن واجبا اخلاقيا، وخيارا استراتيجيا لتثبيت الاستقرار ومنع انزلاق البلاد مجددا الى دوامات العنف.

ولا يخفى على احد ان التحديات التي يواجهها لبنان تزداد تعقيدا في ظل وجود عدو شرس يمتلك ادوات تدمير متطورة، وعقلا الغائيا لا يتردد في استخدام القوة لتحقيق اهدافه. غير ان مواجهة هذا الواقع لا تكون بردود فعل انفعالية او بخيارات متسرعة، بل عبر اعمال العقل والتفكير الهادئ القائم على قراءة دقيقة لموازين القوى ولإمكانات الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، يبرز خيار الدولة بوصفه الإطار الوحيد القادر على التعبير عن الارادة الوطنية الجامعة، وصياغة سياسات دفاعية وامنية وتنموية متكاملة تحمي الوطن وتصون مستقبله.

واذا كانت كل حرب تحمل في طياتها بذور نهايتها، فان التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل تلك النهاية، مهما كانت نتائجها، الى فرصة لولادة وطن متجدد يضع اولوية البناء الداخلي في صدارة اهتماماته. فإزالة اثار الحروب لا تقتصر على اعادة اعمار الحجر، بل تشمل ايضا اعادة ترميم الانسان نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، واطلاق مشروع لبناني شامل يهدف الى اعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، وتعزيز الشعور بالانتماء الى وطن جامع يوفر الامن والعدالة والفرص المتكافئة. والاهم من ذلك، ان نعمل جميعا على شطب الحروب من قاموسنا السياسي والثقافي، وان نستبدل منطق الصراع بمنطق الشراكة الوطنية.

ان الدولة اللبنانية، بمؤسساتها واداراتها المختلفة، وجدت لتكون بيتا يتسع لجميع ابنائه، ومنصة لمعالجة الازمات والخلافات ضمن اطر دستورية وقانونية واضحة. فالحلول المستدامة لما قد يراه البعض عوائق او تحديات لا يمكن ان تتحقق خارج المؤسسات، بل من خلالها وعبر تفعيل دورها وتحصينها من التدخلات والتجاذبات. وفي هذا الإطار، يصبح احترام القانون وتعزيز ثقافة المساءلة والشفافية شرطين اساسيين لاستعادة الثقة العامة، وبناء نموذج حكم قادر على مواكبة تطلعات اللبنانيين.

غير ان اي مشروع لبناني للنهوض لا يمكن ان يكتمل من دون مصالحة حقيقية مع الذات، تقوم على تنقية الذاكرة الجماعية من رواسب الاحقاد والاصطفافات، والانفتاح بروح الوحدة والعيش الواحد. فلبنان الذي حمل عبر تاريخه رسالة انسانية وقيمية في محيطه والعالم، قادر على استعادة ريادته متى توافرت الارادة الصادقة لتغليب المشتركات على الخصوصيات، والرهان على طاقات شبابه وامكانات مؤسساته.

وفي هذا المسار، سيبقى الامن العام ملتزما اداء دوره الوطني في تكريس منطق الدولة وتعزيز الاستقرار وحماية المجتمع، انطلاقا من مبدأ يوازن بين الواجب والحق، ويؤكد ان صون الوطن مسؤولية مشتركة تتطلب يقظة دائمة وتعاونا وثيقا بين مختلف الاجهزة والمؤسسات والمواطنين. فالامن، في جوهره هو فعل ثقة متبادلة بين الدولة وشعبها، وركيزة اساسية لأي نهضة مأمولة في الحاضر والمستقبل.

عن mcg

شاهد أيضاً

الرئيس عون يلتقي الحاكم سعيد

almontashher :اطّلع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من حاكم مصرف لبنان كريم سعيد على الأوضاع …